
مقالات
خطّة العدو البديلة: إطلاق العنان للفتنة الداخلية
منذ الإعلان عن تقدّم المساعي الباكستانية لجمع الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة مفاوضات مباشرة، بدت إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً.
ولم يكن هذا القلق محصوراً بإمكان التوصّل إلى اتفاق بين الجانبين فحسب، بل ارتبط أيضاً بإبلاغ واشنطن الوسطاء موافقتها على إدراج لبنان ضمن سلّة التفاهم.
وعندما أرسلت إسلام آباد إلى طهران الصيغة الأخيرة قبل نيل الموافقة، ضمّنتها فقرة تفيد بحصولها على تعهّد أميركي بأن يشمل وقف الحرب لبنان أيضاً، وهي النقطة التي دفعت حكومة العدو إلى الخروج عن طورها.
وعلى مدى نحو 16 ساعة متواصلة، استنفرت الآلة السياسية لكيان العدو في واشنطن إلى أقصى حدّ.
ولم يبقَ مسؤول إسرائيلي على صلة بأي مسؤول أميركي، عسكرياً كان أم أمنياً أم دبلوماسياً أم سياسياً، إلا وفعّل قنواته، تحت عنوان واحد واضح: لا يمكن لإسرائيل تحمّل ضربتين على الرأس في وقت واحد، ولا يمكن أن تُلزِموا إسرائيل بوقف الحرب على لبنان!
ورغم كثرة المعطيات والتسريبات حول طبيعة الاتصالات التي أفضت في نهاية المطاف إلى قبول الإدارة الأميركية بعدم شمول لبنان بالهدنة، إلا أن الثابت هو أن هذا التحوّل في الموقف الأميركي أُبلغ إلى إسرائيل حصراً. وحتى لحظة الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، لم تكن باكستان قد تلقّت أي إشعار أميركي بتعديل بنود التفاهم.
غير أن مؤشرات الخديعة بدأت بالظهور مع البيان الأول للرئيس الأميركي، الذي أعلن وقف إطلاق النار باسم الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، متجنّباً أي إشارة إلى لبنان.
وسرعان ما عادت طهران إلى التواصل مع إسلام آباد، فأكّد الوسيط الباكستاني أن بياناً سيصدر باسم رئيس الوزراء يشير إلى لبنان صراحة، ليس استجابةً لطلب إيراني فحسب، بل استناداً إلى التفاهم الذي جرى مع الأميركيين.
وقد صدر البيان بالفعل، ما دفع إسرائيل إلى الإسراع في إعلان رفضها، قبل أن تمضي ساعات قليلة ليخرج الموقف الأميركي الرسمي مؤكداً أن الاتفاق لا يشمل لبنان.
لم تكن هذه النتيجة لتتحقّق من دون تمهيدٍ وإخراجٍ وتقديم بديل. وفي الغرف الموازية، كان العمل يجري على قدم وساق لرسم مسار مختلف.
فقد قاد فريق سياسي ودبلوماسي في واشنطن، وبالتنسيق المباشر مع إسرائيل، جهوداً حثيثة لإعادة توجيه بوصلة التطورات نحو مسار جديد.
داخل البيت الأبيض، لم يُبدِ ستيف ويتكوف وعدد من المستشارين معارضة للطلب الإسرائيلي، لكن، كانت هناك حاجة إلى ضغط من خارج البيت الأبيض. هذه المهمة أُنيطت بشخصيات نافذة في المؤسسة العسكرية، من بينها قائد القيادة الوسطى براد كوبر، بالتوازي مع حملة ضغط قادها السيناتور الصهيوني ليندسي غراهام، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، إلى جانب شبكة من المؤثّرين والمموّلين يتقدّمهم الصهيوني اللبناني أنطون الصحناوي.
فريق يجمع أميركيين ولبنانيين وإسرائيليين، يُقنِع ترامب بفصل لبنان عن الاتفاق مع إيران وتثبيت المعركة ضد حزب الله
لكنّ الوصول إلى نتيجة سريعة لم يكن ممكناً من دون رفع منسوب الضغط من الداخل اللبناني. هنا، التحق رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالجوقة. ووجد الرجلان في فكرة إبعاد لبنان عن طاولة إسلام آباد فرصة لإعادتهما إلى دائرة الاتصالات الدولية، في ظل حالة من التهميش كانا يعانيانها نتيجة انقطاع قنوات التواصل المباشر مع المسؤولين الأميركيين. لكنّ الفكرة التي كُلّف عيسى بتسويقها جعلت الموقف يتبدّل.
ومع أنّ عون حاول مجدّداً جسّ النبض حيال إمكان فتح قنوات تواصل مباشرة مع واشنطن، سرعان ما تبيّن له أنّ الخطة الموضوعة تحتاج إلى دور سلام أكثر مما تحتاج إليه. وهنا، برز اعتبار لا يتعلّق بموقع كل منهما، بل بالخطة الأكثر خبثاً التي لا تتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، بل بخطة العمل الداخلية في لبنان.
استنفرت إسرائيل على نحو غير مسبوق منذ انسحابها عامَ 2000، وبآليات عمل تتجاوز ما اعتادت عليه في الساحة اللبنانية.
فبعد سنوات من تركيز أجهزتها الاستخبارية على التجنيد وجمع المعلومات في إطار حرب أمنية تستهدف بنية المقاومة، باتت الحاجة اليوم، وفق تقديراتها الاستراتيجية، إلى مقاربة أمنية – سياسية، بعدما خلصت إليه مراكز التقدير في كيان الاحتلال إلى أن المرحلة تقتضي توجيه الضربات إلى ما يُسمّى «مجتمع حزب الله»، وهو خيار يتطلب سلسلة خطوات، تبيّن خلال 36 ساعة أنها قابلة للتطبيق.
أولاً، بعد ساعات على وقف إطلاق النار مع إيران، ارتكب العدو مجزرة لا تقلّ قساوة وفظاعة عن تفجير مرفأ بيروت. وبدل أن تستنفر سلطة الوصاية والاحتلال في لبنان لمواجهة هذا المستوى من التوحش، سارعت إلى العكس. فعمد رئيس الحكومة، بصفته «ممثّل السنّة» في الدولة، إلى جولة جديدة في حربه ضد المقاومة.
وعندما انعقدت جلسة الحكومة، كان عون وسلام يحملان قراراً بجعل بيروت مدينة خالية من السلاح (اقرأ من المقاومة)، وهو مقترح ورد في خطة جوزيف عون، وجرى التمهيد له من خلال «سنّة معراب».
وبينما كان عون مُحبطاً إلى درجة عدم الرغبة في المشاركة في جلسات الحكومة، بات مضطراً إلى إدارة جلسة تتخذ قراراً كبيراً، وهو يدرك مُسبقاً أن زمام المبادرة في هذه المرحلة لم يعد في يده، بل بات فعلياً في يد رئيس الحكومة.
ثانياً، استأنف العدو اتصالاته مع شخصيات وقوى سياسية داخل لبنان، وبدأ عملياً بتنفيذ خطة دعم مالي (وغير مالي) لمجموعات تنتمي إلى أحزاب يمينية، مع تشجيعها على إطلاق تحرّكات سياسية وشعبية تعكس «رغبة الشارع اللبناني بالتخلّص من حزب الله».
هذا المسار تولّت الدفع به «مجموعة غراهام من لبنانيّي واشنطن»، قبل الانتقال إلى مرحلة جسّ نبض قوى وشخصيات سنّية في بيروت، لقياس قدرتها على تنظيم تظاهرات واعتصامات في وسط العاصمة، ترفع شعارات داعمة لرئيس الحكومة، وتطالب باتخاذ إجراءات فورية لمنع وجود حزب الله بكل أطره السياسية والمدنية في بيروت. وهو توجّه كان سلام نفسه قد مهّد له في جلسة الخميس، عندما برّر للعدو مجزرة الأربعاء، معتبراً أن «لكل غارة سبباً مرتبطاً بحزب الله».
ثالثاً: برز تطوّر لم يكن في حسبان أحد، لا في إسرائيل ولا لدى الفريق المتحالف معها في الداخل. فقد أحدثت «مجزرة الأربعاء» صدمة في واشنطن نفسها، حيث ساد وجوم غير مسبوق داخل البيت الأبيض، مع الانتشار السريع للصور ومقاطع الفيديو التي وثّقت نتائج الغارات الإسرائيلية.
وتزامن ذلك مع تقارير أمنية أكّدت أن الضربات استهدفت مدنيين، ما دفع عواصم أوروبية وعربية إلى إجراء اتصالات مكثّفة مع الإدارة الأميركية، ما جعل ترامب يعرب عن غضبه أمام مسؤولين أميركيين.
وتبيّن أن فريقه تولّى تسريب الخبر عن اتصاله «المتوتر» مع بنيامين نتنياهو، ليصار بعدها إلى إبلاغ عون وسلام، بأن بيروت ستكون بمنأى عن الغارات، علماً أنهما قالا لاحقاً إن الضمانات لا تشمل عمليات الاغتيال التي قد تقوم بها إسرائيل.
رابعاً، استجاب عون وسلام لطلب السفير عيسى الاتصال فوراً بالوسيط الباكستاني، ليس لحثّه على ضمان أن يشمل وقف إطلاق النار الجبهة في لبنان، بل للقول إن «الدولة اللبنانية الشرعية» ترفض إدراج ملف لبنان ضمن المفاوضات التي تخوضها إيران. وأبلغ «اللبنانيون الشرعيون» سلطات إسلام آباد بأن لبنان في صدد الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في خطوة تزامنت مع اتصالات أميركية موازية مع باكستان، شدّدت بدورها على أنّ بيروت لا ترغب بأن تكون جزءاً من جدول المباحثات مع طهران.
أُحبط رئيس الجمهورية مرتين، وبعد صدمته بعدم سقوط إيران والمقاومة، اكتشف أن نواف سلام هو الرجل المطلوب الآن




















