أخبار لبنان

متى كانت الحرب يوما عسكرية فقط !!

لم تكن الحروب في تاريخها عسكرية فقط بل مضافا لذلك هي سياق وتوقيت مناسب وشرعية معقولة (إذا لم تتوافر المشروعية).

تفتقد اميركا اليوم اغلب هذه العناصر في مواجهتها المحتملة مع ايران .

فالحرب ليست حرب الضرورة بالنسبة للأمريكيين بل ليست حربهم بقدر ما هي حرب نتانياهو ، والإجماع الداخلي على فكرة الحرب غير متوافر كما تظهر كل الاستطلاعات على خلاف حروب كثيرة خاضتها كما ان الاستقطاب الداخلي في أوجهه ، والغرب لم يعد موجودا كما قال المستشار الالماني ميريتس وبات مفككا بين ضفتيه وأوروبا هي الأخرى غارقة في البحث عن امنها بين عدوّين ” بوتين وترامب ” كما يعبر بعض كبار ساستها عن مستقبلها ومستقبل دولها ، ولا تمتلك روية لما بعد النظام الدولي الذي كانت اساساً في بنائه ذات يوم ، هل تعود إلى الامننة ونظريات التوازن الكلاسيكي ام تبقي على العولمة والنموذج الاتحادي خطر حرب أوكرانيا المتعاظم وتأثيراته عليها .

ولا تجد اميركا اي اجماع او توافق على خطوتها لا مما تبقى من مؤسسات دولية ولا من عدد معتد به من الدول والحكومات، فاذا استثنينا إسرائيل واوكرانيا ( حتى بريطانيا مترددة في توفير مواقعها وأصولها لصالح هجوم أمريكي على إيران ) فلا تحظى هذه الخطوة على حماية ورغبة دول العالم للانخراط فيها وتحمل أعباءها .

اما الصين وروسيا اللتان تعتبران دولتين من الحجم العالمي والقاري على السواء فهما لاول مرة يستشعران ان الحرب الأمريكية على إيران فيما لو رجحت فيها الكفة لاميركا ستكون تهديدا فعليا لمستقبل نفوذهما وصعودهما ، فايران اليوم “بيضة القبان” الميزان الدولي ومفتاحه وربما يكون هذا هو السبب الرئيس الذي ادى إلى تغيرات في مقاربتهما ولو الجزئية بتوفير بعض الدعم اللوجستي والفني فضلا عن الموقف السياسي واعلان الجاهزية لاي دور دبلوماسي يضطلعان به ، بل ان الظروف الموضوعية تدفع كليهما للتقاطع اكثر فأكثر مع ايران في رويتها لتحدي الهيمنة على المنطقة “الشرق الأوسط” التي هي في نهاية المطاف – اي المنطقة- اشبه بالبهو والممر والرئة لكليهما لا سيما للصين وخط الحرير .

اما دول الاقليم ( نستثني الأردن ، وما نقل عن سوريا الشرع انها لن تمانع من توفير اجوائها للعمل ضد ايران ) فلم تكن هذه الحكومات منذ عقود في هذا الموقف العلني – ولو بالشكل – الرافض للتعاون العسكري مع العدوان لكن يبقى لموقفهم اهمية لجهة تاثيره على سياق الحرب وشرعيتها وقانونيتها ، اما الباكستان وافغانستان فتتقدما على غيرهم من دول المنطقة باعلانهما جاهزيتهما للمساعدة إذا طلبت الحكومة في إيران ذلك و يتميز العراق في موقفه حكومة والاهم كشعب وقوى مقاومة ومرجعية دينية في دعمهم لإيران واعتبارها حربا على نموذج إسلامي فريد وعلى المرجعية الدينية .

اما حلفاء ايران في الاقليم من قوى “لا دولاتية” فلا زالوا قوة فعلية موثرة تاثيرا نوعيا رغم ما اصابهم من ضربات في السنوات الثلاث الماضية وتخشى إسرائيل من قدراتهم ودورهم المحتمل في ما لو وقعت الحرب والاهم ان مبررات مشاركتهم قائمة كون إسرائيل تحتل ارض لبنان واخراجها واجب على الجميع ( ويبدو ان الحكومة ليست في وارد تحرير الارض ووقف العدوان بل تسير في الاتجاه المعاكس ) وبالتالي قد يتحينون الفرصة لتحرير ارضهم والدفاع عن شعبهم .

اما الشعوب على امتداد العالم فسئمت اميركا وترامب ونتانياهو وتكبرهما وعسفهما وهي تقف اليوم -ولو بالكلمة- خلف سد الجمهورية الاسلامية لمواجهة رياح الهيمنة الأمريكية باعتباره السد الاخير وخط الدفاع الاخير عن كل مقاوم وكل مسلم يبغي ان يكون .

اما على صعيد الداخل الايراني فايران في افضل مرحلة من مراحلها منذ انتصار ثورتها لجهة التماسك ووحدة الموقف مقارنة وهي استفادة من تعجل الاستخبارات الاسرائيلية والأمريكية في الداخل الإيراني لكشف خيوط ما كان مخططا .

يبقى امر بالغ الاهمية ، هل سيتحمل العالم كلفة هذه الحرب التي من المؤكد ان إيران ستجر فيها اميركا وحلفائها إلى حرب طويلة واستنزاف وتعلي كثيرا من كلفة الحرب عليهم وتعلم ايران ان اميركا غير قادرة على حسم هكذا حرب او حتى ايقافها او تحديد خطة الخروج وتراهن على امكانية ارتدادها على ترامب عند اول تعثر وإخفاق( صور قتلى واسرى أمريكيين واقتصاد وتضخم وغيرها ) ، من تعلم ايران ان ثباتها سيؤدي إلى توسع الحرب وتشتد وقد تعلن دول ما مظلة نووية لصالح ايران إذا اقدمت اميركا او إسرائيل على التلويح بالسلاح النووي .

بالعموم ، ان السياقات مناسبة جدا لايران وتختزن فرصة كبيرة لها إذا نجحت في اسقاط اهداف اميركا ، وقد يكتب لايران الاسلامية ان تكون هي من يسقط الهيمنة العالمية الاميركية وينزلها عن عرشها ، فالنفس الطويل الذي تعاطت به ايران وصمود حلفائها الأسطوري كان كفيلا بتغيرات عميقة في تحديد المسرح الدولي وتمييز أطرافه وطبيعة الصراع فيه ، بينما لا تخدم السياقات ادارة ترامب البتة .

يبقى العنصر العسكري وعنصر التوقيت . اما عنصر التوقيت باعتباره نصف الحرب فقد قيمته بعد ان فقدت اميركا عامل المباغتة وانكشفت الكثير من مخططاتها التي عملت عليها لعقود لا سيما الداخلية .

اما عسكريا وهي الميزة الوحيدة بيد اميركا والميزة الفائقة فنقول رغم ذلك انه لاول مرة في تاريخها الحديث ستخوض ادارة اميركية حربا مع دولة فعلية مكتملة العناصر لها موقعها ولها خطابها العابر ودولة ملهمة لشعوب لمنطقها الديني-المقاوم وهي دولة مجربة على الحروب وشعبها عنيد ولديه نفس طويل وقوة عقيدة غير متوافر في اي دولة اليوم في العالم نظيرا لها ، ناهيك ان حروب اميركا السابقة كانت مع دول ضعيفة وممزقة وغير متماسكة وتعاني من ازمات فعلية .

وماذا لو افترضنا ان يكون لايران مفاجآتها العسكرية والأمنية ، وهل ما رأيناه في المجال الصاروخي الذي دك الكيان وأمنه الاستراتيجي وهز تل ابيب والمدن الكبرى كان نموذجا مصغرا عما سنراه في الحرب المقبلة إذا وقعت .

د. بلال اللقيس

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى