مقالات

طقوس وشعارات من واشنطن إلى بيروت

الحديث المستفيض والمتجدّد عن فضائح جيفري إبستين على مدار اللحظة لا يعدو كونه رأس جبل  الجليد الذي لن يلبث أن يتّسع وينتشر أكثر مع توالي تفكيك الوثائق وانكشاف أسماء وتفاصيل جديدة تسقط ما تبقى من ورق التوت عن عورات النخب السياسية في العالمين الغربي والعربي على حد سواء.

ولئن تعدّدت الروايات حول خلفيات هذه الخطوة وتزاحم النظريات بين كونها “مؤامرة إسرائيلية” لابتزاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودفعه لمهاجمة إيران وبين انسياقها في إطار “الصراع الحزبي الديمقراطي – الجمهوري” على أعتاب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، ولكن الثابت أن ما سُمح بنشره من وثائق “مملكة الشيطان” قد أسقط مقولات الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية المرأة وشعارات العدل والمساواة التي لطالما تشدّق بها مدّعو الإنسانية المزيّفة.

في موازاة ذلك، تبرز نظرية أخرى تفسّر سماح ترامب بنشر وثائق من صور وأفلام مصوّرة أوردت اسمه مئات المرات بأنه أمر مقصود يهدف إلى إسقاط مبدأ الإدانة عبر تعميم الجرم، فالكلّ متورّط في عالم الفساد والجريمة والتوحّش وتجارة الجنس وأكل لحوم البشر واستعباد الأطفال، وعليه فإن ترامب ليس استثناءً في الدائرة السوداء، بل قد يصار إلى تصويره ضحية هذا المستوى من المحافل الشيطانية. وهنا يبرز سؤال آخر: “من يقف وراء إبستين ويدعمه ويوجّه مساره!؟ وما هي الأسماء الكبرى التي ما تزال طي الكتمان وممنوع الكشف عنها أو فضحها!؟ وهل المطلوب إزاحة هذه الشريحة من نخبة القادة الفاسدين ليحلّ مكانها نخبة أخرى وفق قاعدة “التطهير”، ولكنها ترتدي ثوب العفّة وترث قيادة العالم!؟ أم أنها إرهاصات نتائج الحرب التي يقودها ترامب ضد “الدولة العميقة” التي تحكم العالم وليس أميركا فقط ليعاود بناءه من جديد في مرحلة تحوّل محدّدة!؟”.

يخال المتابع لمسلسل فضائح إبستين كأنه يشاهد واحداً من أفلام “هوليوود” الأميركية التي تتحدث عن نهاية العالم أو تلك التي تتنبأ بعالم متحوّل جديد يسود فيه القتل والإجرام وسيادة مخلوقات الزومبي والروبوت، وتختلط فيها السياقات السياسية والاقتصادية وتتناقض فيها المبادئ الثقافية والدينية وتنقلب فيها القيم الاجتماعية والأخلاقية، فيصبح فيها الشيطان مثالاً للخير والقتل وسيلة للرحمة والقوة شعاراً للبقاء والسيطرة، وكل ذلك على حساب الضعفاء والفقراء وبمباركة لها طابع ديني مقرون بطقوس خاصة تمارسها مجموعات النفوذ والهيمنة. ولعلّ أقرب مثال على هذا النموذج سلسلة أفلام بعنوان The Purge (التطهير) ولا سيما الجزء الثالث منه بعنوان Election Day (يوم الانتخابات)، ومحور هذه السلسلة يقوم على تشريع الحزب الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية ليلة تُباح فيها جميع الجرائم بما في ذلك القتل، بحجة أنها وسيلة لتفريغ الغضب وتقليل نسبة الجريمة والبطالة في بقية أيام السنة.

يطرح الفيلم فكرة شيطانية تتقاطع إلى حد كبير مع تفاصيل ما يجري اليوم في الولايات المتحدة، والتي غالباً ما تصوّرها “هوليوود” على أنها نموذج يختصر العالم كله، فالحزب المسيطر يدعى “الآباء المؤسسون الجدد لأميركا” (New Founding Fathers of America)، واستغل حال الانهيار الشامل ليقدّم نفسه منقذاً شاملاً للمجتمعات البشرية من خلال حصر الجريمة بـ12 ساعة فقط تحت شعار مضلّل مفاده “ليلة واحدة من العنف لضمان 364 يوماً من السلام”، ولكن الهدف الحقيقي يعكس النزعة الرأسمالية المتوحّشة التي ترى في الطبقات الفقيرة عبئاً اقتصادياً يجب التخلّص منه تحت غطاء إباحة الجريمة وتحويل القتل إلى حق مدني وصولاً إلى إحكام السيطرة من خلال إشاعة مضبوطة للفوضى، فيما يبقى المترفون والحكام بمنأى عن الخطر، بل إنهم يوظّفون قتلة مأجورين للتخلّص من المنافسين والمعارضين السياسيين لهم لثتبيت حكمهم وهيمنتهم.

ولعلّ أخطر ما تتضمنه الفكرة هو في تمجيد قادة الحزب وإسباغ نوع من القداسة عليهم، فيما هم أشخاص مهووسون بالقوة ويسعون إلى تحويل أميركا (والعالم) إلى نظام شمولي، ويمارسون فعل “التطهير” في مقرّاتهم وقصورهم وداخل الكنائس التي جعلوها أمكنة لتقديم القرابين البشرية وقتل البشر والأطفال وإراقة دمائهم فداءً للإله الذي يؤمنون به وهو الشيطان، ويعملون لتكريس شعار “أمة ولدت من جديد” (a nation reborn)، وهو ما يتطابق إلى حد بعيد مع سعي ترامب إلى تنصيب نفسه على أنه الحاكم الأول والمطلق للعالم الجديد الذي يسعى إلى إعادة بنائه (كما صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو) فضلاً عن الشعارات التي يطلقها وجماعة الـ MAGA (make America great again لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) التي ترى ضرورة جعل الولايات المتحدة نموذجاً مهيمناً، وهو طرح يتجاوز مفاهيم العولمة من مبدأ النمذجة والتعميم إلى مبدأ بناء القالب الواحد وفرض الإطباق القهري.

يعتمد “الآباء المؤسسون الجدد لأميركا” (NFFA) خطاب “تطهير الأمّة” وإعادتها إلى عظمتها من خلال العنف والجريمة، ولا قوانين رادعة لهم في سبيل ذلك كونهم الطبقة الحاكمة للعالم.

ولكن الحقيقة أن هذا ليس نظاماً للإصلاح بل سياسة إبادة جماعية قائمة على الطبقية والتمايز العرقي والطائفي (غالبية أفراد المقاومة في الفيلم هم من السود) ولكنها مغلّفة بشعارات وطنية مقرونة بمصطلحات دينية، وما جرى ويجري في فلسطين المحتلة بحق الفلسطينيين على يد الصهاينة منذ عقود يترجم هذا النظام وشعاراته ومصطلحاته المستندة إلى مبادئ تلمودية عنصرية تمجّد اليهود وتحتقر باقي فئات البشر، وترى فيهم مجرد مخلوقات لا تستحق العيش، ولا يخضع قاتلها للمحاكمة أو الإدانة.

ما سبق كلّه إلى جانب ما كُشف عن ارتباط مباشر لإبستين (يهودي مولود لأبوين يهوديين) بجهاز “الموساد” وخضوعه لدورات استخبارية على يد رئيس حكومة العدو الأسبق إيهود باراك ومشاركته له في مشاريع تجارية، يعني أن كل ما له علاقة بملف إبستين على مستوى الأسماء والأقوال والأفعال والأهداف والخلفيات ليس مجرد فساد نخبوي بل هو عبارة عن طبقة تعتنق ما تمارسه عقيدةً مرتبطةً برؤية شمولية ومنهج شيطاني يتقاطع مع المشروع الصهيوني ويخدمه ويسوّق له بشكل مباشر.

واللافت أن جماعة السفارات في لبنان من نواب ووزراء وإعلاميين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم الحزبية ممّن يتشدّقون بشعارات السيادة والحرية، وبعضهم سبق أن وقّع عريضة لعدم تجريم الشذوذ ودافع عمّا يسمّى “مجتمع الميم” واقترب أن يشارك في “مسيرة الفخر” للشاذين في بيروت (على غرار مسيرة الفخر السنوية التي ينظمها الشواذ في “تل أبيب”)، هذه الجماعة تتبنّى أيضاً “نظام الإبادة الجماعية” لقتل شركائهم في الوطن، سواء عبر مطالبة العدو بقصف مناطقهم ومنازلهم واحتلال أراضيهم أو من خلال التحريض الداخلي والشحن الطائفي والمذهبي سعياً لاستعادة الحرب الأهلية، وتأليب الدولة والحكومة وقيادة الجيش على الاصطدام بالمقاومة وبيئتها بذريعة حصرية السلاح، والأنكى من ذلك كلّه أنهم يقتبسون الشعار المضلّل نفسه الذي يسوّغ الجريمة والعنف لضمان الأمن والرخاء للبنان!

كشفت وثائق إبستين الوجه البشع لطبقة الحكام الذين يدّعون زوراً قيادة العالم المتحضّر، ولكنها كشفت أيضاً تبعية وارتهان الكثير من الأنظمة والشخصيات التي تعرّت من لبوسها الوطني وارتضت الالتحاق بمحفل الشيطان بكل ما تعنيه الشيطنة من مبادئ دونية وقوانين فاسدة وأساليب منحرفة، وما يدعو للأسف تردّد صدى هذا المحفل في لبنان بشكل وبآخر لدى “الإبستينيين اللبنانيين” المتسترين بشعار الوطنية، ولكنهم في الواقع تابعون لهذه الطبقة ومهووسون بها إلى درجة التسليم المطلق، ولا غرابة حينئذ في أن يعمد البعض إلى تمجيد بنيامين نتنياهو ويدعو “الجيش الإسرائيلياني” (وفق تعبير سعيد عقل) إلى محو لبنان وضمّه إلى امبراطورية ترامب ودولته العميقة.

محمد الحسيني-العهد

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى