مقالات

سعد يكن… إنّه تعب البشرية كلها!

بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع، يطلّ سعد يكن في معرضه «ألف ليلة وليلة 2» في بيروت. عبر رؤية تعبيرية حداثية، يُفكك الفنان الحلبي حكايات شهرزاد وشهريار، محوّراً الشخوص لتخاطب صراعات الإنسان المعاصر.

لوحاتٌ ضخمة تضجّ بالانفعال، تمزج بين الوجع الإنساني والإشراق الصوفي، لتقدم تجربةً بصرية فلسفية تتجاوز الزخرفة إلى عمق المأساة.

يمكن وصف معرض سعد يكن في «فضاء مايا للفنون» في بيروت بالحدث التشكيلي، نظراً إلى ندرة المعارض الجيدة وقلّتها على امتداد مساحات العرض وما تقترحه علينا صالات المدينة التي تبدو كأنّها تفقد ريادتها بين العواصم قياساً بماضيها المجيد.

في معرضه المعنون «‏ألف ليلة وليلة 2»، ‏يرى سعد يكن العالم ووقائعه وحكاياته وأساطيره كما لا يراها الآخرون.

عالمه معادٌ تشكيله وفقاً لرؤية الفنان الخاصة، النابعة من الداخل، مأساوية ومشوّهة، أقرب ما تكون إلى رؤية الفنان الإيرلندي فرنسيس بيكون الذي دائماً ما شُبّه به، ولم يكن يعرفه حتى التقاه شخصياً في لندن وتبادلا النظرة والرأي.

رأى بيكون يومذاك الفرق بينهما في الملمح الشرقي لدى الفنان الحلبي السوري المقيم منذ عقود في بيروت.

حين تعرّف الأخير إلى المتصوّفة وتعمّق في نصوص ابن عربي والحلاج والسهروردي، حوّل إشراقاتهم الصوفية إلى أعمال تشكيلية.

كما وظّف الأساطير والملاحم في رؤاه التشكيلية، حتى إنّه أقام معرضاً كاملاً عن ملحمة جلجامش، ورسم البحر بوحي من حوت «موبي ديك» الأبيض، ورسم حالات شعرية من قصائد نزيه أبو عفش وعلي الجندي وروايات صديقه وليد إخلاصي.

وكان يجلس في المسرح خلال التمارين ليستلهم عوالم الخشبة والممثلين والأغراض الوظيفية على الخشبة كالكراسي وغيرها.

كذلك فعل في المقهى وروّاده الذين أداروا ظهورهم وهم يقرؤون الصحف… يتنقّل الفنان يكن بين الأماكن مراقباً كل شيء، وكل البشر الذين دخلوا في خلايا المدينة وأضحوا من نسيجها، كبائع الخيطان الذي يلفّ نفسه بوحدته وخيطانه، كأنه ألف عام من الخيوط الملونة، وبائع الصحف الذي يسحب رجليه بطيئاً على تعب يومه وشقائه «إنه تعب البشرية كلها» بحسب تعبير الروائي فيصل خرتش.

الحكايات، الأساطير، المقاهي، الملاهي، المسارح، بعضٌ ممّا يلهم لوحة سعد يكن رسام الذهن المتوقد الذي لا يستكين ولا يهدأ كأنه يريد الوصول بلوحته إلى اللامنتهى، فيؤسس من الفكرة الواحدة موضوعاً متكاملاً، بذهنية مركبة قائمة على خلفية ثقافية عميقة تعكس الصراع بين الخير والشر، الحلم والواقع، القوة والضعف، في حركة متضادة أحياناً، تعزّزها الألوان المتدفقة وضربات الريشة المتجاورة والتموّجات الخشنة والباهرة.

تُخْرجُ الألوان انفعالات الفنان ورغباته الدفينة، وحتى بعودته إلى الحكاية والأسطورة يُكْسِبُ لوحته حداثةً تخاطب الإنسان المعاصر.

وإذا رسم شيخ الطرب في حلب صبري مدلّل، «نسمع» في اللوحة صوته الأجشّ مغنّياً القدود الحلبية، ونلمح التأثر على وجهه، والجوقة من حوله تتمايل بالألوان منتشيةً، وتفوح رائحة المكان.يهتمّ سعد يكن في لوحاته بالإنسان وحالاته الإنسانية عبر الالتصاق بالواقع وعدم التغرّب عنه.

لا ينسلخ عن الآخر لأنّ هذا الآخر هو الفنان نفسه.

لذا اتجه منذ البداية إلى التجارب الخاصة بالإنسان الذي يصادفه في الأماكن اليومية كالمقهى، أو الذي يستلهم موضوعاته المعقدة من الأساطير.

تجربتان تتقاطعان: حيوية مباشرة وذهنية مركبة.

ولو تناول المرأة لرسمها مستلقيةً ومستكينة في ظل ذكورية الرجل، رغم أنها تملك وعياً وتجربة ومعرفة، فهذا واقعها ومعاناتها.وفي لوحات الواقع رصد للحالة الإنسانية غير منسوبة إلى مكان وزمان معينين، رغم تثبيت شخوصها على الكراسي وفي الأمكنة لتحديد هوية الشخصية المركزية في اللوحة.

أما في الأعمال الميثولوجية، فلا يحتاج الفنان إلى المكان والزمان لزرع «أبطاله» فيهما، فالعواطف فيها ممتدة إلى عمق التاريخ والأماكن الشاسعة.سعد يكن لا يشوّه الوجوه في أعماله على طريقة بيكون، بل يحوّرها، وثمة فرق عميق بين التحوير والتشويه.

فالتحوير يشكل إعادة نظر في المشهد اليومي الواقعيّ، أو التراثيّ، بأسلوب تعبيريّ ذاتيّ خاضع لرؤية الفنان وتمثّله للأشخاص والأشياء والأماكن، ولإحباطات الإنسان ومآسيه وأحزانه التي يعبّر عنها اللون الأزرق.

يخضع الواقع لدى يكن لتوليف وتشكيل غير واقعيين وغير مباشرين، فالواقعية المفرطة والمباشرة تقتلان الفرادة والإبداع والرؤية الخاصة، كما حين يرسم البحر ثائراً على الدوام، متحوّلاً.وحتى العزلة في لوحاته لا تشبه العزلة في لوحات فنانين آخرين، فأشخاصه المنعزلون ليسوا وحيدين أو منفصلين عن محيطهم، ومع ذلك هم وحيدون وسط مقهى مليء بالطاولات المتهالكة، كأنه مسرح يومي تدور فيه طقوس الروّاد المجتمعين والمنفردين في آن، كأنهم في لحظة صمت جماعية.

لوحاته كتل متراصة من الجسد واللون والحركة، ومن هذا التراص تولد اللوحة بتكويناتها وأشكالها وألوانها واتجاهات الضوء فيها. لعلّ قسوة الملامح والتكوينات تشكل منظراً تشكيلياً مشبعاً بالقوة. الوجوه مشدودة والحركة غائبة والتعبير الهادئ فائض والمشاعر خفية.

طبقات من الانفعال بين الماضي والزمن الحي.

لوحات معرض سعد يكن الحالي مشغولة بالزيت والأكريليك لتعيد رواية شهريار وشهرزاد من «‏ألف ليلة وليلة» الحكائية التراثية، بكثافة ووفرة تفاصيل نابعة من غنى الحكاية، أو بالأحرى الحكايات الكثيرة الحوادث والشخوص والحالات، والغزيرة الخيالات والغرابات والسحر.يشرّع يكن النص التراثي على قضايا الحاضر المشوب بالعنف والقسوة والوحشية والحروب والإبادات والمآسي، فالملك شهريار يتحوّل خوفه الشخصي إلى عنف ممنهج (كعدد من زعماء العالم الحاليين) وتدخل شهرزاد قصره إليه مستسلمة خاضعة ومجرّدة، إلا من قوة السرد والخيال لتهدئ روعه وقسوته.

بيد أن سعد يكن لا يعيد لنا تمثيل الحكايات المعروفة، بل يعيد تفكيكها بصرياً ليحوّلها قراءة معاصرة حول العلاقة بين القوة والإصغاء، العنف والحكاية.

تقنياً، بل ضرورة للسرد البصري استناداً إلى خبرة الفنان الطويلة وثقافته التشكيلية الواسعة ونظرته الفلسفية (التراجيدية) إلى الحياة. وثمة مسحة أيقونية باللون الذهبي، وتقاطع الأحمر والأزرق على خلفيات داكنة، وخيارات لونية غير تزيينية، بل في خدمة المعنى والدلالة والأبعاد الرمزية في الحكاية.

لا تقدم اللوحة قصة مغلقة، بل تشرّع فضاء نظرياً لتعدد القراءات، فيمسي الناظر شريكاً في إنتاج المعنى.

ونحن هنا، لا ننسى أنّنا في النسخة الثانية أو التتمة لمجموعة أولى ليكن قبل نحو عقدين حيث أعاد ‏صوغ حكايات «ألف ليلة وليلة» بأسلوب بعيد تماماً عن الاستشراق.لذا لا زخرفة في لوحاته كالتي استخدمها المستشرقون الأوروبيون، بل تركيز على الحدث الدرامي تعبيرياً، مع التحوير الذي يوفر قوةً انفعالية للناظر إلى اللوحة.

وهذه القوة التعبيرية هي نفسها في المعرض الحالي بعد ثمانية عشر عاماً على المعرض الأول. وفي كل لوحة أكثر من حدث درامي (معظم اللوحات ذات مقاسات كبيرة) أو بالأحرى حدث إنساني، فالإنسان هو الأساس الثابت في أعمال سعد يكن، ومن أجله يخوض مغامرته الفنية المستمرّة.

المصدر: الأخبار (ريما النخل)

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى