أخبار عالمية

فضائح ابستين تهزّ رأس معهد العالم العربي

لم تمرّ استقالة جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق ورئيس «معهد العالم العربي» في باريس، بوصفها إجراءً إدارياً عادياً، بل جاءت كزلزال أخلاقي وسياسي هزّ صورة رجل ظلّ لعقود يُقدَّم بوصفه أحد رموز «الثقافة التقدمية» في فرنسا.

فبعد ساعات فقط من بيان دافع فيه عن «شرفه» ونفى فيه أي شبهة، اضطر لانغ إلى التنحّي تحت وطأة ضغوط متصاعدة، على إثر انكشاف حجم مراسلاته وصلاته بالملياردير الأميركي جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال جنسي، والذي عُثر عليه ميتاً في زنزانته عام 2019.

ولم يصمد دفاع لانغ طويلاً أمام الأرقام والوثائق. فاسمه ورد مئات المرات في ملفات إبستين التي كُشف عنها أخيراً في الولايات المتحدة، مع وجود أكثر من 600 مراسلة مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين، تكشف عن علاقة تتجاوز المجاملات العابرة، وتضع الرجل أمام تساؤلات ثقيلة حول طبيعة هذه الصلات وتوقيتها، خصوصاً أنّ بعضها استمرّ بعد إدانة إبستين العلنية.

اقترح جاك لانغ (86 عاماً)، وفق ما نقلته وكالة «فرانس برس»، استقالته من رئاسة «معهد العالم العربي»، بعد نحو 13 عاماً أمضاها على رأس هذه المؤسسة الثقافية المرموقة.

وجاءت الخطوة عقب استدعائه إلى وزارة الخارجية الفرنسية، وفتح النيابة العامة الوطنية المالية تحقيقاً أولياً في حقه وفي حق ابنته كارولين، على خلفية روابط مالية محتملة مع إبستين.

وفي رسالة وجّهها إلى وزير الخارجية جان نويل بارو، قال لانغ إنه يقترح تقديم استقالته خلال اجتماع طارئ لمجلس إدارة المعهد، وهو ما «أُخذ علماً به» رسمياً، مع الإعلان عن بدء إجراءات اختيار خلفٍ له.

وأكّد بارو أنّ الأولوية هي «ضمان حسن عمل معهد العالم العربي واستمراريته ونزاهته»، في إشارة واضحة إلى خطورة ما كُشف من معطيات.

من جهته، حاول لانغ، الذي شغل منصب وزارة الثقافة في عهد الرئيس الاشتراكي الراحل فرنسوا ميتران، التمسّك بخط دفاعي قوامه النفي والتقليل من شأن العلاقة.

فأكّد أنّ الاتهامات «لا أساس لها»، وأنه كان يجهل ماضي إبستين الإجرامي عندما تعرّف إليه «قبل نحو 15 عاماً» عبر المخرج الأميركي وودي آلن.

غير أنّ هذا الدفاع بدا مرتبكاً أمام مضمون الوثائق.

فالمراسلات المنشورة، تُظهر لغة حميمية وطلبات مباشرة، من بينها رسالة كتب فيها لانغ عام 2017: «عزيزي جيفري سخاؤك لا حدود له.

هل يمكنني الاستفادة منه مرة جديدة؟»، إضافة إلى طلبات خدمات شخصية ومشاركات في مناسبات خاصة.

ورغم أنّ أي تهمة قضائية لم تُوجَّه رسمياً إلى لانغ حتى الآن، فإنّ الضرر المعنوي والسياسي وقع بالفعل، وطال أيضاً ابنته كارولين، التي استقالت بدورها من رئاسة نقابة لمنتجي السينما بعد الكشف عن تأسيسها شركة مع إبستين عام 2016.

قضية إبستين لم تكن، بالنسبة إلى كثيرين، سوى حلقة في مسار إشكالي أطول ارتبط باسم جاك لانغ، ولا سيما خلال رئاسته لمعهد العالم العربي.

فالمعهد، الذي أُنشئ أساساً ليكون مساحة لتمثيل الثقافة العربية في قلب باريس، واجه خلال السنوات الماضية انتقادات واسعة بسبب انخراطه في مسارات تطبيعية ثقافية مع الاحتلال الإسرائيلي.

تجلّى ذلك في استضافة معارض وإقامة تعاونات مع مؤسسات إسرائيلية، من بينها استعارة أعمال فنية من «متحف إسرائيل» ومؤسسة «بن تسفي»، إضافة إلى إدراج إسرائيل على خريطة معروضة في أحد معارض المعهد.

كما أثارت تصريحات لانغ نفسه، التي وصف فيها اعتراضات مثقفين عرب على هذه السياسات بأنها «تافهة ومؤسفة»، موجة غضب واسعة في الأوساط الثقافية العربية.

من جهتها، اتّهمت عبر السنوات، حركات المقاطعة الثقافية، وفي مقدمتها الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية، المعهد صراحة بالتورط في تشجيع التطبيع، معتبرة أنّ سياساته تخلط عمداً بين المكوّن اليهودي العربي الأصيل في الثقافة العربية، وبين الصهيونية بوصفها مشروعاً استعمارياً.

وضعت هذه الانتقادات رئاسة لانغ للمعهد في قلب جدل يتجاوز شخصه، ليطرح أسئلة جوهرية حول الجهة التي تحدّد سياسات المعهد وتوجّهاته: هل هي الدولة الفرنسية؟ أم الشركاء العرب؟ أم الإدارة نفسها؟ وكيف يمكن لمؤسسة واحدة أن تدّعي تمثيل العالم العربي، وفي الوقت ذاته تنخرط في تعاون ثقافي مع مؤسسات تابعة لدولة الاحتلال.

استقالة جاك لانغ، كما تصفها أوساط فرنسية، ليست نهاية ملف، بل بدايته.

فالتحقيقات القضائية ما زالت في مراحلها الأولى، والوثائق التي خرجت إلى العلن فتحت الباب أمام مراجعة أوسع لدور النخب السياسية والثقافية في فرنسا، وعلاقاتها بشبكات نفوذ ومال عابرة للحدود.

أما معهد العالم العربي، فيقف اليوم عارياً أمام منتقديه.

فمن جهة، اعتمد المعهد سياسات وضعته في خانة المُجنَّد لخدمة أهداف «إسرائيل» الثقافية عبر التطبيع الناعم، لا كما ادّعى جاك لانغ عن بناء جسر حقيقي بين الشعوب والثقافات.

ومن جهة أخرى، أُضيفت إلى سجله وصمة عار أخلاقية بفعل فضائح لانغ وصلاته بجيفري إبستين.

وأمام هذا المزيج من الانحياز السياسي المفضوح والانخراط في شبكات نفوذ غربية عابرة للأخلاق، يصبح دور المعهد برمّته، خلال سنوات طويلة، موضع مساءلة لا يمكن القفز فوقها.

المصدر: الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى