مقالات
ماذا تقول لنا مجزرة «واشنطن بوست»؟

سرّحت صحيفة «ذا واشنطن بوست» ثلث موظّفيها وأقفلت أقساماً بما فيها الرياضة والكتب ومكتب الشرق الأوسط، تحت حجج الصعوبات المالية، فيما ينفق صاحبها الملياردير جيف بيزوس مئات الملايين على يخوت وأفلام و«بعزقات» أخرى.
من جهة أخرى، هناك قطبة مخفية تتعلّق بتقارب بيزوس مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدما ساد التوتّر علاقتهما.
تُعدّ صحيفة «ذا واشنطن پوست» من أعرق الصحف الأميركية، عمرها قرابة القرن ونصف القرن، وهي منافس أساسي لصحيفة «ذا نيويورك تايمز».
لكنّ كلّ ذلك لا يعني أنّ أمورها على ما يرام، رغم أنّها مملوكة لأحد أثرى مليارديريّي الولايات المتّحدة.
بيع الصحيفة من أجل استثمارات لم تحصل
في عام 2013، باعت عائلة غراهام الصحيفة بعد ثمانية عقود من ملكيّتها لها، لمؤسّس شركة «أمازون» جيف بيزوس.
ووقع الاختيار في حينه على بيزوس الذي اشترى الصحيفة شخصيّاً وليس لشركته، كون عائلة غراهام اعتبرته قادراً على الاستثمارات خصوصاً مع التحوّل الرقمي، بعدما عانت الصحيفة من تراجع قرّائها وإيراداتها.
أمّا بالنسبة إلى بيزوس، فقد اعتبرها استثماراً في صورته وأداة تبييض مهمّة لواجهته الإعلامية.
أولويّات الملياردير الذي تربّع ذات يوم على عرش الأثرى في العالم لمدّة ليست بقصيرة، لم تكن تماماً كما توقّعت عائلة غراهام.
بعد أكثر من عقد على استيلاء بيزوس على «ذا واشنطن بوست»، ها هي الصحيفة تعاني المشاكل ذاتها، وتصرف ثلث موظّفيها!
صرف موظّفين وإقفال أقسام
بدأت الصحيفة منذ يوم الأربعاء صرف الموظّفين، بالإضافة إلى تعليق بودكاست «بوست ريبورتس» وإقفال أقسام كاملة بما فيها قسما الكتب والرياضة، على أعتاب بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تشارك الولايات المتّحدة في استضافتها الصيف المقبل إلى جانب كندا والمكسيك.
وكانت نوايا إدارة الصحيفة بإقفال قسم الرياضة قد تسرّبت قبل أسابيع بعد طلبها من صحافيّيها الامتناع عن تغطية الألعاب الأولمبية الشتوية التي تقام حاليّاً في إيطاليا، رغم أنّهم كانوا قد تجهّزوا لذلك.
وبعد تسرّب الخبر، تراجعت جزئيّاً وأبقت على إرسال عدد محدود من المراسلين. كذلك، أغلق مكتب الشرق الأوسط وسُرّح موظّفوه بالكامل.
الأنكى كان إعلان رئيس التحرير مات موراي عن هذه الإجراءات عبر تطبيق «زووم»، مدّعياً أنّ «الهدف بناء صحيفة قادرة على النموّ والازدهار مجددّاً».
وأعلنت الصحيفة أنّها «تتّخذ عدداً من الإجراءات الصعبة والحاسمة من أجل مستقبلنا، في إطار إعادة هيكلة شاملة للشركة».
من جهتها، ناشدت نقابة موظّفي «ذا واشنطن بوست» توجيه رسالة إلى بيزوس مفادها «كفى! من دون موظفي «ذا واشنطن بوست»، لن يكون هناك «ذا واشنطن بوست»، فيما وصف أحد المحرّرين ما يجري بأنّه «حمّام دماء».
مشكلة من صنع يدَي بيزوس
وكان بيزوس نفسه سبباً في تراجع أداء الصحيفة، ليس فقط في تركه الموظّفين لقدرهم والامتناع عن الاستثمار في الصحيفة، بل في إجراءات اتّخذها بنفسه وتسبّبت له في خلافات مع فريق التحرير، خصوصاً لما تضمنّته من تدخّل مباشر لفرض سياسة معيّنة مغايرة، كلّ مرّة حسب هواه.
قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، تراجع بيزوس عن دعمه للمرشّحة الديمقراطية كامالا هاريس وعدم دعم أحد، ما أفقد الصحيفة عدداً هائلاً من مشتركيها المؤيّدين للحزب «الديمقراطي»، قدّرت استطلاعات عددهم بقرابة الـ200 ألف من أصل مليونين.
من جهة أخرى، سادت علاقة متوتّرة بين بيزوس والرئيس الأميركي دونالد ترامب، والأخير معروف بسلوكه الطفولي ونزعته نحو الانتقام، وهو ما أثّر أكثر على شعبية الصحيفة.
وكانت الصحيفة تغطّي في المدّة الأخيرة التغيّرات في المؤسّسات الفيدرالية، ووصلت الأمور إلى حدّ مداهمة منزل الصحافية هانا ناتانسون بشكل تعسّفي والاستيلاء على أغراضها الشخصية والمهنية الشهر الماضي، تحت حجّة «معلومات سرّية مسرّبة».
لكنْ يبدو أنّ الرجلَين عادا إلى التقارب أخيراً، وهو ما أثار من جهته أسئلة حول حقيقة الإقالات وما إذا كان الهدف إعادة توجيه سياسة الصحيفة نحو خطّ يميل أكثر نحو اليمين.
أمّا بيزوس نفسه، فكان قد تدخّل لفرض رأيه في قسم «الرأي»، في صحيفة تتّخذ من «الديمقراطية تموت في الظلام» شعاراً لها.
هكذا، اصطدم مع الموظّفين من أجل الترويج لأفكار تشبهه أكثر، مثل اقتصاد السوق الحرّ والفردانية وأمور أخرى يرى أنّها تفيد شركاته الأخرى، على رأسها «أمازون».
وهنا قصّة أخرى، إذ كانت شركات تابعة للرجل قد أنفقت ملايين الدولارات على يخت فاخر وفيلم عن السيّدة الأولى ميلانيا ترامب، ما استدعى السيناتور بيرني ساندرز للقول إنّه «إذا كان جيف بيزوس قادرًا على إنفاق 75 مليون دولار على فيلم عن ميلانيا ترامب و500 مليون دولار على يخت للإبحار إلى حفل رفافه الذي كلّف 55 مليون دولار، ومنح زوجته خاتماً بقيمة 5 ملايين دولار، فلا تقولوا لي إنّه أُجبر على تسريح ثلث العاملين» في الصحيفة. وختم باللعب على وتر شعار الصحيفة، قائلاً «الديمقراطية تموت في حكم القلّة».
ديكتاتورية المال
مُحقّ ساندرز في شعاره الجديد، إذ إنّ الولايات المتّحدة التي تحاضر العالم بالديمقراطية، تخضع بدورها لديكتاتورية مقنّعة، ولا قرار إلّا لمَن امتلك المال عبر استغلال الآخرين وتحكّم بمصير الناس واستولى على موارد الأميركيّين كما موارد الشعوب الأخرى التي تسرقها النخبة الحاكمة وتشنّ الحروب عليهم من أجلها.
هكذا، تُحكم «طغمة إپستين» قبضتها على الشعوب والرأي العام، ويُترك الناس العاديّون لمصيرهم.
نزار نمر-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



