مقالات
حين تفتح الحدود… بعد أكثر من عقد

في الحالتين نعيش في خيم، فالأفضل أن أعيش في خيمة في بلدي… لهذا السبب قررنا العودة إلى سوريا”. بهذه الكلمات تلخّص إحدى النازحات السوريات معاناة آلاف العائلات، التي وجدت نفسها أمام خيارين: اما الاستمرار في اللجوء أو العودة إلى وطنٍ أنهكته الحرب.
على امتداد السنوات الماضية، شكّل ملف النازحين السوريين في لبنان إحدى أكثر القضايا حساسية وتشابكا، إذ تتقاطع فيه الأبعاد الإنسانية مع الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية.
فمع تصاعد الضغوط المعيشية في لبنان، والمطالبات الملحة لاعادة النازحين الى بلدهم بعد سقوط نظام الأسد، يشهد لبنان اليوم مراحل العودة الطوعية.
سبع مراحل… ومعلومات خاصة عن الثامنة
بالتنسيق مع مفوضية شؤون اللاجئين UNHCR والمنظمة الدولية للهجرة IOM، تمكن الامن العام اللبناني من تنفيذ سبع مراحل ضمن خطة العودة الطوعية.وقد توزّعت هذه المراحل على عدة معابر حدودية بين لبنان وسوريا، إذ مرّت مرحلتان عبر معبر العريضة في محافظة عكّار، وأربع مراحل عبر معبر المصنع، بينما جرت المرحلة السابعة والأخيرة حتى الآن عبر معبر جديدة يابوس.
وأفادت معلومات خاصة لـ “الديار” بأنّ المرحلة الثامنة من خطة العودة الطوعية قيد التحضير، حيث ستنطلق من منطقة دريب في عكّار باتجاه معبر العريضة الحدودي، تمهيدا لدخول النازحين إلى الأراضي السورية، في إطار استكمال مراحل العودة المنظمة.
تسهيلات وتحفيزات للعودة
اتخذت مراحل العودة طابعا “طوعيا”، حيث تُرك للنازحين حرية الاختيار بين ركوب حافلات العودة إلى سوريا، أو البقاء في خيم اللجوء. وقد أتاحت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خيارين رئيسيين للنازحين:
– الأول: العودة عبر الحافلات المخصّصة من قبل المنظمات المعنية، مع الحصول على مبلغ مالي كمساعدة مبدئية.
– الثاني: اختيار اللاجئ طريقة العودة التي يراها مناسبة بنفسه، على أن يتلقّى دعماً ومساعدات إنسانية بعد وصوله الى سوريا.
بالإضافة الى سلسلة من التسهيلات الحكومية التي شملت إعفاءات من الغرامات والرسوم، إلى جانب إجراءات ميسّرة على المعابر الحدودية، قدّمها الأمن العام اللبناني بالتنسيق مع الجهات السورية المعنية، أدّت الى تسارع وتيرة العودة الطوعية.
وفي الأرقام، ساهمت الحوافز المالية في تشجيع النازحين على العودة، إذ خُصِّص مبلغ 100 دولار لكل فرد في لبنان، و400 دولار للعائلات الموجودة في سوريا، وفق الأسماء المسجّلة في برنامج العودة.
ونتيجة لهذه الإجراءات، تستقبل اليوم محافظات حمص وإدلب والرستن العدد الأكبر من أبنائها العائدين من لبنان، في مشهد يعكس بداية تحوّل تدريجي في مسار النزوح المستمر منذ أكثر من عقد.
من جهةٍ أخرى، أفادت مصادر متابعة لملف النازحين السوريين، بأنّه “نظرا للطابع الطوعي لعمليات العودة، لا يلتزم جميع المسجلين بقرار المغادرة بعد إدراج أسمائهم في القوائم. فعلى سبيل المثال، تُجهَّز رحلة لقرابة 400شخص، إلا أنّ عدد المغادرين فعليا لا يتجاوز 300 شخص”.
ويعود ذلك إلى كون العودة اختيارية وغير إلزامية، الأمر الذي يتيح للنازحين حرية اتخاذ القرار بالبقاء في لبنان إذا رغبوا في ذلك، من دون أن يتعرّضوا لأي إجراءات قسرية.
عدد اللاجئين في لبنان
وفي هذا الإطار، يبلغ العدد الإجمالي للنازحين السوريين في لبنان، والمسجّلين رسميا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نحومليون و400 ألف نازح، وهو الرقم المعتمد رسميا من قبل الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المعنية.
وحتى اليوم، غادر لبنان ما يقارب 300 ألف نازح سوري بشكلٍ نظامي، في إطار برامج العودة الطوعية، فيما تتوقّع المفوضية أن يرتفع هذا العدد إلى نحو 400 ألف نازح مع نهاية العام الحالي، في حال استمرّت وتيرة العودة على المنوال ذاته.
مع ذلك، تظل الفجوة قائمة بين الأرقام الرسمية والواقع الفعلي، حيث تختلف التقديرات حول العدد الدقيق للنازحين السوريين في لبنان.
ويعود هذا التضارب بشكل خاص إلى التسهيلات التي أُقيمت في شهر أيلول الماضي، والتي دفعت عددا كبيرا من النازحين إلى الدخول إلى سوريا خارج إطار الإحصاءات الرسمية، ما يجعل من الصعب الوصول إلى رقم دقيق وشامل.
ويفيد المصدر نفسه، بأنّ ما هو مؤكد اليوم هو أن عددا كبيرا من النازحين عاد إلى سوريا بالفعل، مع وجود رغبة قوية لدى آخرين في الانخراط بعملية العودة أيضا.وهذا يؤكد أن خطة العودة ومراحلها الفعلية لم تكن مجرد خطوات رمزية، بل حققت نتائج ملموسة على الأرض، حيث لمس أهالي المناطق العكارية نتائج هذه الخطة، بعد أن فرغت البلدات من اليد العاملة السورية والتي عاشت في المنطقة لسنوات طويلة.
في نهاية المطاف، تبقى العودة الطوعية للنازحين السوريين من لبنان إلى سوريا أكثر من مجرد خطوة لوجستية، أو رقم في تقارير المنظمات الدولية، إنها حكاية بلدةٍ مضيفٍ حمل فوق أزماته أزماتٍ جديدة، وتحمّل عبءَ جنسياتٍ أضعفت بنيته الاقتصادية والاجتماعية.
ومع بدء عودة آلاف السوريين إلى ديارهم، يتنفس لبنان بعضا من الأمل بتخفيفٍ تدريجي من أعباء اللجوء التي أثقلت كاهله.
فاليوم، يقف الجميع على عتبة مرحلة جديدة، قد لا تمحو آثار السنوات الماضية، لكنها بلا شك تفتح نافذة على إمكانية التعافي المشترك، للبنان الذي استضاف، ولسوريا التي تستعيد أبناءها من رحلة اللجوء الطويلة.
لورد عسّاف ـ الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



