مقالات
من رائد السريالية إلى نواف بك

شبه اجتماع الحكومة الذي خُصص لبحث نزع السلاح لوحة من لوحات السرياليين الفرنسيين، حيث تختلط العناصر المتناقضة بلا رابط منطقي.
كأن الوزراء اجتمعوا داخل حلم لا يخصهم لبحث معضلة نزع السلاح بينما طائرات العدو الإسرائيلي تكتب على جدران الجنوب ملاحمها النارية.
هي لحظة سريالية بامتياز، الدولة تحاول «تحييد» السلاح بينما الواقع نفسه مفخّخ ضدها.
في مخيّلة أندريه بروتون، السريالية محاولة لتحرير الإنسان من قيود المنطق والعقل البارد.
وفي حكمة قاضي القضاة نظرية عبقرية في ممارسة سريالية معكوسة، لا تحرر المخيّلة، بل تعيش في فوضاها، تكتب القرارات كما لو كانت أحلاماً وكأن الوزراء أنفسهم أدوات في يد «اللاوعي الجماعي» الذي يتخبط ما بين الخوف من الخارج والعمالة لمصلحته وبين الانقسام الداخلي.
هذا المشهد يمكن أن يكون أحد نصوص بروتون لو أنه وُلد في لبنان:
الأصوات تتداخل، الجمل تتناسل بلا منطق، والنتيجة قرار حكومي مشبّع بالرموز أكثر من الواقع.
هكذا يصبح لبنان بلداً يُدار بخيال سريالي أكثر منه بخطة سياسية، قرارات تُكتب في الفراغ، حدود تُرسم بالحلم والدولة تتحدث عن السيادة بينما تتبخر السيادة في الهواء الساخن الناتج من الغارات.
صحيح أن واقع الجنوب والبلاد لا يحتمل الشعر، فالسريالية هنا ليست خياراً فنياً، بل نتيجة لسياسة عاجزة عن التمييز بين الحلم والمأساة.
قبل نحو عقدين وفي حرب تموز 2006 تحديداً خرج سيد على الهواء مباشرة وقال جملته الشهيرة: البارجة التي قصفت أهلنا انظروا إليها تحترق وتغرق في البحر.
لم يكن ذلك مجرد إعلان عسكري عن تدمير هدف بحري بقدر ما كان مشهداً سريالياً مطلقاً.
وقتها بدا السيد كأنه يكتب من داخل عقل بروتون نفسه، ينطق بالواقع لكنه يصوغه كحلم تحقق وعلى الهواء مباشرة، وكأن البحر نفسه شارك في صياغة القصيدة «الهدف».
تلك اللحظة شكلت بطريقة ما السريالية اللبنانية في أنقى تجلياتها حين يتفوق الخيال المقاوم على المنطق العسكري.
اليوم وبعد تسعة عشر عاماً ما يزال المشهد يتكرر ولكن بوجه آخر:
بين سيد فتح نافذة تطل على أحلامنا وأخذ بيد اللاوعي ومسحه من غبار الخجل وقال: انظروا إليها تحترق
وحكومة تقول: انظروا إلينا نحكم.
وهكذا يمتد الفارق بين سريالية الخيال المحقق والواقع العاجز.
محمد الامين-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



