أخبار عالمية

عقيدة «دونرو» والعودة إلى النفوذ الأحادي.. قراءة تحليلية في تداعيات عملية كراكاس

شكّل تبرير الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعملية القبض على نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، مساء السبت، مؤشراً واضحاً على تحوّل لافت في مقاربة الولايات المتحدة لدورها ونفوذها في قارة أميركا، في خطوة قد تحمل تداعيات دولية تتجاوز الإطار الإقليمي، ولا سيما في علاقتها مع الصين وروسيا.

وبرّر ترامب العملية الليلية التي نفذتها القوات الأميركية في العاصمة الفنزويلية كراكاس بأنها تأتي في سياق استعادة النفوذ الأميركي الكامل على النصف الغربي من الكرة الأرضية «من دون أي منازع»، معتبراً أن هذا التوجه يندرج ضمن إحياء مبدأ «عقيدة مونرو»، الذي نشأ قبل أكثر من قرن، ويقضي باعتبار أميركا اللاتينية مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة ومحظوراً على القوى الأجنبية.

وفي مؤتمر صحافي، أعلن ترامب أن العملية باتت تُعرف بـ«عقيدة دونرو»، في تسمية مركبة تجمع بين اسمه الأول «دون» والجزء الأخير «رو» من اسم الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو، قائلاً إن «عقيدة مونرو مهمة جداً، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد».

وأضاف أن الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي تنص بوضوح على أن «السيطرة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية لن تُمسّ بعد الآن».ويأتي هذا التوجه في ظل وثيقة «استراتيجية الأمن القومي» التي نشرتها إدارة ترامب قبل نحو شهر، وأعادت من خلالها رسم أولويات السياسة الخارجية الأميركية وفق رؤية قومية الطابع، تعيد الاعتبار للمحيط الإقليمي القريب بوصفه مجالاً حيوياً للأمن والمصالح الأميركية.

وفي ما وُصف بـ«ملحق ترامب» لعقيدة مونرو، شددت الوثيقة على سعي الولايات المتحدة إلى الوصول إلى الموارد والمواقع الاستراتيجية في أميركا اللاتينية، بهدف ضمان أن تكون دول المنطقة «مستقرة ومحكومة بشكل جيد بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة والحد منها».

كما أكدت أن واشنطن «لن تقبل بتموضع قوات أو قدرات لدول منافسة من خارج النصف الغربي للكرة الأرضية تشكل تهديداً، أو بامتلاكها أو سيطرتها على أصول استراتيجية» في المنطقة، في إشارة مباشرة إلى الصين، التي تُعد المشتري الرئيسي للنفط الفنزويلي.

غير أن هذا النهج التوسعي يثير مخاوف من تداعيات أوسع على النظام الدولي، إذ قد يشجع خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، على تبني سلوك مماثل في محيطهم الجغرافي المباشر، ولا سيما تجاه تايوان بالنسبة إلى بكين، وأوكرانيا بالنسبة إلى موسكو.

وفي هذا السياق، يُلاحظ أن الصين أجرت، قبل أيام قليلة من العملية التي استهدفت مادورو، مناورات تحاكي فرض حصار على تايوان وتنفيذ هجمات على أهداف بحرية حول الجزيرة، التي تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، في خطوة ربطها مراقبون بتصاعد منطق فرض النفوذ بالقوة.

ولا تقتصر تداعيات العملية الأميركية على الخصوم فقط، بل تمتد إلى حلفاء واشنطن أنفسهم، الذين يبدون قلقاً متزايداً إزاء تلويح ترامب بالاستحواذ على الموارد الاستراتيجية، ومن ذلك تصريحاته المتكررة حول رغبته في ضم إقليم غرينلاند الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي.

وفي هذا الإطار، رأت مديرة مركز «ديفنس برايورتيز» للأبحاث والتحليل العسكري، جنيفر كافانا، أن الولايات المتحدة «لن تواجه صعوبة كبيرة في إرسال بضع مئات أو حتى آلاف الجنود إلى غرينلاند»، معتبرة أن الاعتراض على خطوة كهذه سيكون محدوداً.

لكنها حذّرت في المقابل من أن عملية فنزويلا تطرح إشكالية خطيرة، مفادها: «إذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تعلن عدم شرعية مسؤول ما، وتطيح به وتتحكم ببلده، فما الذي يمنع دولاً أخرى من القيام بالأمر نفسه؟».

وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه من العملية الأميركية، واصفاً إياها بأنها تشكّل «سابقة خطيرة» في العلاقات الدولية، وتفتح الباب أمام تقويض مبادئ السيادة وعدم التدخل.

ويعزّز هذه المخاوف ما يراه مراقبون تراجعاً في حدة السياسة الأميركية تجاه الصين وروسيا خلال ولاية ترامب، إذ تركز الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي على الإقليم القريب للولايات المتحدة، وتعتمد نبرة أكثر هدوءاً حيال بكين وموسكو، ما دفع منتقديها إلى القول إن واشنطن باتت تقرّ لهاتين القوتين بنوع من التفوق داخل مجالي نفوذهما.

وفي المقابل، رأى الباحث في مركز «أتلانتيك كاونسل» ألكسندر غراي، الذي شغل عضوية مجلس الأمن القومي خلال الولاية الأولى لترامب، أن عملية كراكاس تنذر، في الحد الأدنى، بانتهاج سياسة أميركية أكثر تشدداً في أميركا اللاتينية.

وأضاف أن «الأمر بات واضحاً جداً: لا تساهل بعد اليوم مع أي نفوذ محدود للصين أو روسيا أو إيران من النوع الذي شهدناه خلال العقدين الماضيين».

وعليه، تبدو عملية فنزويلا، وفق هذا المنظور، أكثر من مجرد إجراء أمني أو سياسي موضعي، إذ تعكس تحوّلاً بنيوياً في الرؤية الأميركية لدورها العالمي، وتفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل النظام الدولي وحدود استخدام القوة في فرض مناطق النفوذ.

المصدر: المنار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى