مقالات
حنظلة والغسيل السيبراني في كهوف” تل أبيب”

سمع حنظلة الصيحة قد اعتلت فضاء المدينة، فأسرع ولم ينتظر ليغتسل وهو عريس ليلته، فاعتلى أبو سفيان في ميدان معركة أحد ليقتله، فغدره شداد بن الأسود في ظهره، فتولته ملائكة الرحمن فغسلته، في مشهد اختلطت فيه مفردات الواقع والغيب لتملأ فضاء المدينة بما يساعدها على التقاط الأنفاس وهي تودع سبعين من أبطالها، فكان حنظلة رمز هذا الفضاء التاريخي، كما ظهر اليوم في رمزيته وهو يجدد غسل الفضاء الإلكتروني من رجس تل أبيب، وقد اختبأ قادتها في كهوف الظل الأمنية، وهم سادة التجسس والغدر والاغتيالات.
كانت صواريخ الثأر الإيرانية في حزيران الماضي، تدمر قلاع “تل أبيب” في هرتسيليا وبات يام ورتشيون، فيما كان نبض حنظلة الإيراني يتحرك من خلف الظل كأنه الملائكة يوم أحد يغسلون الشهداء خلف الحُجُب، وقد بدأ هجومه يوم الــ14 من حزيران، وهو أول أيام الحرب، عبر اختراق عدة مواقع من بينها مواقع شركات دلكول(Delkol) وديليك (Delek) ضمن منظومة الوقود الإسرائيلية، وذلك بحسب موقع رانسوم لوك (RansomLook) المسؤول عن تتبع هجمات المجموعات السيبرانية المختلفة ومجموعات تلغرام التابعة للفريق، وقد أسفر هذا الهجوم عن سرقة أكثر من 2 تيرابايت من البيانات المشفرة مع ترك رسالة واضحة تهدد بإيقاف منظومة العمل في عديد من محطات الوقود التابعة لهاتين الشركتين فضلًا عن إيقاف آليات إمداد الوقود للطائرات المقاتلة.
وتابع حنظلة هجومه ليصل إلى شركة أيرودريمز (Aerodreams) الأميركية المسؤولة عن تطوير أنظمة المسيرات المستخدمة في الهجمات، وأشار الفريق إلى سرقة 400 غيغابايت من البيانات الداخلية التي تكشف أنظمتهم، وقام أيضاً باختراق شركة واي جي نيو إيدان المحدودة للمقاولات العامة، التي تُعرف بأنها من أذرع وزارة الدفاع الإسرائيلية، ولكن الاختراق الأبرز الذي قامت به المجموعة هو اختراق شركتي تزويد الإنترنت 099 “إسرائيل” وبرايمو (Primo) المسؤولتين عن جزء كبير من البنية التحتية للإنترنت في “إسرائيل”، وأرسلت المجموعة أكثر من 150 ألف إيميل رسمي باستخدام خوادم الشركتين، كما سبق لحنظلة أن نشر سجلاً من العمليات، شمل اختراق رادارات ومراكز أبحاث نووية إسرائيلية في سوريك وديمونا.
لكن كهوف “تل أبيب” الأمنية نجحت في احتواء آثار هذه الهجمات، ولم تصل إلى المس بالرأي العام الإسرائيلي، ولا لتتحول إلى مادة إعلامية تنغص ليل ضباط الشاباك ووحدة 730 والفرقة 8200، حتى تكشفت ضربة حنظلة الأخيرة في قمة الهرم الإسرائيلي، وقد خرجت الأمور عن السيطرة، ولكن رئيس حكومة الكيان الأسبق، نفتالي بينيت، وهو مرشح المعارضة الأبرز حالياً في وراثة نتنياهو، وقع في محاولة احتواء الحدث عبر الكذب أو هي الوقاحة في الكذب، في نفي أي اختراق لهاتفه.
كان الأمر بادئ ذي بدء مجرد عملية اختراق، حتى تحولت إلى هزة سيبرانية، وبينيت يذعن للاعتراف بالاختراق، وهو يصف الحادثة بأنها محاولة اغتيال سياسي إلكترونية، تهدف إلى عرقلة عودته إلى المشهد السياسي، معتبراً أن جزءاً من المواد المسربة مفبرك لغرض الحرب النفسية، فيما وضعت وثائق حنظلة النقاط على الحروف، وقد فضحت الطابق برمته، وهي تميط اللثام عن حجم الاختراق الذي طال هاتف بينيت (طراز آيفون 13)، حيث نشرت المجموعة، 141 صفحة تحتوي على آلاف جهات الاتصال لمسؤولين رفيعي المستوى، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومحمد بن زايد، ومدير وكالة الطاقة الذرية رافائيل غروسي، ونحو 2000 ملف من سجلات الدردشة التي تضمنت كواليس سياسية، وانتقادات حادة لوزراء في الحكومة الحالية، ومقترحات لخطط ضغط اقتصادي.
وهكذا فغر فاه الأخطبوط الإيراني الآتي من كهوف التاريخ، وقد حملت العملية اسم “الاخطبوط” لتلتهم “عقيدة الأخطبوط” التي تبناها بينيت سابقاً لمواجهة إيران، وقد نجح هذا الاختراق وهو يمثل فشلاً رمزياً لبينيت، الذي طالما قدم نفسه كرائد أعمال خبير في قطاع الأمن السيبراني، حيث انقلب السحر على الساحر.
أطلق نجاح حنظلة السيبراني، سيلاً من التحذيرات الإسرائيلية الداخلية، خاصة في ظل تهديدات نتنياهو المستجدة لإيران، تعقيباً منه على المناورات الإيرانية الصاروخية، التي تسببت بإطلاق صفارات الإنذار في مطار بن غوريون خطأً، وقد افتُرض بعض هذه التحذيرات الداخلية، وفق ما أفادت به مجلة “فوربس” بأن المدير العام للهيئة الوطنية للأمن السيبراني في “إسرائيل”، يوسي كارادي، أطلق تحذيراً شديد اللهجة في هذا السياق، خلال كلمته في مؤتمر “أسبوع السايبر” الذي عُقد مستهل هذا الشهر في تل أبيب، محذراً من أن “نقرة واحدة يمكن أن تشلّ الدولة بأكملها”، وأكد أن إيران تلعب دوراً محورياً في جمع معلومات استخبارية موجهة عن العسكريين والمسؤولين الحكوميين والأكاديميين الإسرائيليين، لأغراض التهديد، إضافة إلى نقل مجموعات التهديد الإيرانية من مرحلة التجسس البحت إلى تنفيذ هجمات سيبرانية تخريبية ومعطِّلة، وأضاف “أن اعتمادنا الكامل على الأنظمة الرقمية، إلى جانب انتشار الذكاء الاصطناعي في جميع مجالات الحياة، يخلق فرصاً هائلة، لكنه يجلب أيضاً تهديدات جديدة، ويمنح الأعداء السيبرانيين ساحة غير محدودة للعمل”.
فضاء السيناريو الكارثي المتوقع حيث تُعطّل فيه محطات الطاقة، وتتوقف إشارات المرور عن العمل، وتنهار أنظمة الاتصالات، وتتلوث مصادر المياه، كل ذلك بضغطة زر عن بُعد، هذا ليس سيناريو مستقبلياً خيالياً، بل هو اتجاه واقعي للغاية، حيث الحصار الرقمي ليس مجرد عبارة جذابة، بل هو تتويج لتطور استمر 15 عاماً، ففي الماضي، كانت الحرب السيبرانية للدول تُعدّ في الغالب تجسساً هادئاً أو أداة جراحية تستهدف المنشآت العسكرية فقط، أما في السنوات الأخيرة، فقد اتسعت المخاطر لتطال فضاء الدولة وواقعها الحيوي بأكمله.
يبالغ الإسرائيليون عادة في تقصي المخاطر، بهدف اتقاء الحد الأعلى منها، ولكن الدمار الهائل في بيت يام ومعهد وايزمن وسوروكا، الماثل واقعاً حتى الآن، يعطي دفق حنظلة الغزير شحنة تحذيرية حقيقية، وخاصة أن “إسرائيل” برمتها ما زالت تعزف لحن الحرب مع إيران، دفاعاً أو هجوماً، وهناك ترقب إسرائيلي لرؤية معلومات حساسة، سينشرها حنظلة بحسب ما توعد، عن وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير، وعضوي الكنيست بيني غانتس وتالي غوتليب، ووزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
نجح حنظلة السيبراني في أن يعلق غسيل بينيت على حبال الحقيقة وقد افتضح كذبه وبانت عورته وتكشفت علاقاته، في تجاوز بدأت ملامحه الواقعية تؤكد مستوى تطور الذكاء الاصطناعي الإيراني، فهل بدأ حنظلة الإيراني طريق نجاحه في هز هيبة بيغاسوس الإسرائيلي؟
الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



