مقالات
كيف تستقبل غزة عيد الميلاد؟

موقع “Truthout” الأميركي ينشر مقالاً يتناول واقع عيد الميلاد في قطاع غزة بعد 3 سنوات من الحرب والدمار، بوصفه مناسبة مثقلة بالحزن والمعاناة، بدلًاً من الاحتفال والفرح، ويركّز على الأثر النفسي والاجتماعي للحرب على المجتمع المسيحي والفلسطيني عامة.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
للعام الثالث على التوالي، يمرّ عيد الميلاد في غزة بلا أضواء ولا احتفالات. لن تُقرَع الأجراس، وستغيب الزينة التي كانت، ولو لبرهة، تُخفّف من ألم القطاع عن شوارع اعتادت الفقدان.
في عام 2023، حلّ عيد الميلاد على غزة مُثقلاً بالخوف والرعب، فيما لم تكن الحرب قد تجاوزت شهرها الثاني. آنذاك، اعتقد كثير من الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين على حدّ سواء، أنّه من المستحيل أن يبدأ عام جديد والحرب لا تزال مستعرة. كان هناك أملٌ مشترك في أن يحمل عام 2024 نهايةً للحرب.
أتذكّر جيداً كيف قوبل تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن فيه أنّ عام 2024 سيكون “عام حرب”، بالاستغراب والسخرية. كان يُفترض أن العالم لن يسمح بحدوث مثل هذا الواقع. لكن ما تلا ذلك فاق حتى أسوأ توقّعاتنا.
اليوم، وبعد أكثر من عامين، تواجه غزة نهاية عام 2025، ويحلّ عيد الميلاد، الذي يحتفل به بعض المسيحيين الفلسطينيين في 25 كانون الأول/ديسمبر، فيما يحتفل به آخرون في كانون الثاني/يناير، وفقاً لتقويم الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والكنيسة الرسولية الأرمنية، عقب ما يُسمّى بنهاية الحرب. غير أنّ الواقع على الأرض يثير تساؤلات مقلقة حول المعنى الحقيقي لهذا “وقف إطلاق النار”.
الشوارع التي خلت من الزينة للعام الثالث على التوالي باتت أكثر ظلمةً ودماراً من أيّ وقت مضى. وبينما تباطأت وتيرة القتل الجماعي، لا تزال آثار الحرب راسخة في تفاصيل حياتنا اليومية: أطفال رُضّع تجمّدوا حتى الموت، وسوء تغذية حاد ينتشر على نطاق واسع، وأُسر تعيش في خيام تغمرها المياه مع كلّ عاصفة.
ماذا يعني هذا الموسم للمجتمع المسيحي في غزة، الذي اعتاد الاحتفال بعيد الميلاد بالإيمان والصمود؟ وماذا يعني للفلسطينيين المسلمين، الذين لطالما شاركوا هذه اللحظة، من رؤية شجرة الميلاد مضاءة إلى مشاركة فرحة الجيران؟
في غزة، يحلّ عيد الميلاد بلا أضواء ولا دفء، مثقلاً بأعباء حرب لم تنتهِ فعلياً، حتى وإن أُعلن وقفها رسمياً.
تحدّثتُ مؤخراً مع صديق والدي المسيحي، توفيق العمّاش، الذي عايش الإبادة الجماعية والمجاعة، ولا يزال يعاني كما نعاني جميعاً. سألته كيف يرى عيد الميلاد هذا العام.
أجاب بصوتٍ يملؤه الألم: “ماذا عساي أن أقول لك؟ ماذا عساي أن أقول؟”.
شعرتُ بالخجل من سؤالي، إدراكاً لحجم المعاناة التي نواجهها جميعاً على أعتاب عام 2026.
ثمّ شرع العمّاش في إخباري بسبب رفضه فكرة تزيين غزة بأشجار عيد الميلاد هذا العام، حين اتصل به صديقٌ مسلم يعمل معه في بلدية غزة واقترح عليه ذلك.
قال لي العمّاش: “رفضتُ الفكرة. سألني عن السبب، فقلت له: كيف يمكن الاحتفال بعيد الميلاد الآن؟”.
واستعاد العمّاش ذكرياته عن أعياد الميلاد في غزة قبل الإبادة الجماعية. قال إنّ معظم المتاجر كانت تُزيَّن في الماضي احتفالاً بموسم الشتاء، ويتذكّر المسيحيون في غزة كيف كانت الشوارع تتلألأ بالجمال والدفء في هذا العيد. كما استذكر كيف كان مجتمعهم يزيّن جمعية الشبان المسيحيين، حيث كانت تُقام أنشطة متعددة، من احتفالات وفعاليات رياضية وتجمّعات جمعت المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء.
وقال: “كنا، كمسيحيين، نزور بعضنا بعضاً، ونخطّط لسهرات نجتمع فيها ونحتفل معاً. وبالطبع، كنا نوزّع الهدايا على جيراننا المسلمين، مثل الشوكولاتة على شكل بابا نويل. ومن أعظم أفراحنا كانت فرصة السفر إلى بيت لحم في الضفة الغربية. قبل الحرب، كان الاحتلال الإسرائيلي ينسّق هذه الزيارات لنتمكّن من الذهاب إلى بيت لحم والصلاة في كنائسها”.
أمّا اليوم، فلا شيء من ذلك ممكناً. كل ما نستطيع فعله هو حضور القداس، وهذا كل شيء. ومع ذلك، قرّرنا أن نقوم بأمرٍ بسيط من أجل أطفالنا، فنسّقنا مع إحدى الشركات لتوزيع هدايا متواضعة عليهم في ساحة الكنيسة.
هكذا سيكون عيد الميلاد لجيراني المسيحيين: بلا احتفالات، صلاة فقط، وذكريات موجعة لاحتفالات جميلة مضت. وما يزيد الألم أنّ الاحتلال الإسرائيلي أوقف تنسيق الزيارات إلى بيت لحم منذ أكثر من عامين.
أعرف عن قرب ما عاناه المسيحيون في غزة خلال حرب الإبادة. قُتل كثيرون منهم، وعاشوا ما نعيشه نحن المسلمين، إذ استهدفت الحرب كلّ ما هو حي في غزة: البشر والحيوانات والنباتات، حتى الحجارة لم تسلم من بطش الاحتلال.
وعندما أفكّر في معاناة المسيحيين في غزة، يتبادر إلى ذهني فوراً صديق العائلة، طارق السوري، رجل الأعمال البارز والتاجر المعروف بسمعته الطيبة ومحبة الناس له، والذي مُحيت عائلته بأكملها من السجلّ المدني مع بدايات تلك الإبادة.
في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أُقيمت جنازات لـ17 مسيحياً، معظمهم من الأطفال والنساء، الذين قضوا نحبهم في غارة جوية إسرائيلية استهدفت الكنيسة التي لجأت إليها عشرات العائلات بعد تدمير منازلها أو إجلائها بحثاً عن الأمان.
في ذلك اليوم، دُقّت أجراس الحداد مع دفن عائلة السوري وعائلات مسيحية أخرى: يارا جريس العماش، وفيولا جريس العماش، وعبد النور سامي السوري، وطارق سامي السوري، وليزا وليد السوري، وسهيل رامز السوري، وماجد رامز السوري، وجولي رامز السوري، وإيلين حلمي ترزي، ومروان سليم ترزي، وناهد ترزي، وسليمان جميل ترزي، وسناء عطا الله العماش، وعليا عبد النور السوري، وعيسى طارق السوري، وجولييت صبحي السوري، وجورج صبحي السوري. وأُقيمت صلاة الجنازة في فناء الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.
أتذكّر كم كان ذلك اليوم عصيباً، لا سيما وأنّ المسيحيين لم يشهدوا مثل هذه المجازر خلال الاعتداءات الإسرائيلية السابقة على غزة.
مؤخراً، استمعتُ إلى مقابلة مع بعض المسيحيين المقيمين في غزة. من بينهم فاتن السفلطي، التي روت كيف فقدت زوجها وابنها جراء قصف الكنيسة.
في الوقت نفسه، استذكر رجل مسيحي من غزة يُدعى إدوارد أنطون كيف كان يقضي العيد في منزل عائلته، لكنه أوضح أنه هذا العام يُعاني فقدان والدته وشقيقته اللتين قُتلتا برصاص قناص إسرائيلي أثناء لجوئهما إلى الكنيسة.
أصبحت السعادة حلماً بعيد المنال لأهل غزة. لقد سلبتنا الذكريات والفقدان المستمر بهجة الحياة. كل ما مضى كان مليئاً بالمعاناة، وكل ما سيأتي يبدو محكوماً بالألم ذاته.
ويقترب شهر رمضان المبارك في شباط/فبراير، ونتساءل جميعاً نحن المسلمون: كيف سيكون حاله هذا العام، خاصةً مع حلول عيد الفطر مباشرة بعده؟ هذه هي غزة، حيث تسلب المعاناة التي تُلحقها “إسرائيل” الفرحة بالاحتفالات الدينية من الجميع، من دون استثناء.
نقلته إلى العربية: بتول دياب-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



