مقالات

التطرّف الأميركي وتسمية الأشياء بمسمّياتها..

الأمة التي تزعم أنّ لها حقاً عالمياً في القتل من دون محاكمة، والاحتجاز من دون تهمة، والمراقبة من دون حدود، وشنّ الحروب بلا نهاية، لا تدافع عن الحرية.

قبل اندلاع المعارك العسكرية، هناك معركة البروباغندا لكسب القلوب والعقول، خاصة في سياق الخطاب الإمبريالي الممتدّ منذ قرون، فالإمبراطورية لا تخوض الحروب بالحديد والنار فحسب، بل بالكلمات أيضاً.

لذلك، من المهم النظر في كيفية الحديث عما يُسمّى “حرب أميركا على الإرهاب”؛ وبعد ربع قرن من هذه الحرب التي لا تنتهي، يقترح الباحث والمفكّر الإيرلندي، ديلان إيفانز، أنه إذا أردنا تسميتها باسمها الصحيح فهي: الحرب على الإسلام والعالم الإسلامي.

إنّ الإصرار على تسمية الأشياء بمسمّياتها ليس تحذلقاً أو مبالغة؛ بل أحد أشكال مقاومة الأيديولوجية.

فالأيديولوجية تزدهر حيثما تُحرّف اللغة إلى تعبيرات “ملطّفة” أو تجريدات مُحنّطة أو عمى انتقائي – حيث يُعاد تسمية العنف بـ “الأمن”، وتُصبح الهيمنة مهمّات “حفظ سلام”، ويُعاد تسمية الإرهاب بـ “الحرية” والإبادة الجماعية بـ “حقّ الدفاع عن النفس” واستهداف المدنيين بالتدمير بـ “أضرار جانبية”.

إنّ إفراغ الكلمات من معناها علامةٌ على ما يسمّيه هافيل “التفكير شبه الأيديولوجي”، الذي يفصل كلمات نستخدمها عن حقائق تدّعي وصفها. ما يسمّيه هافيل “اللغة المراوغة” قد “فصل الفكر عن تماسّه المباشر بالواقع”، كما أشارت الفيلسوفة الأميركية، جين بيثكي إلشتين، في مقال عام 1993، مستشهدةً بهافيل، “ويشلّ قدرته على التدخّل في هذا الواقع بفعّالية”.

لماذا يكرهون المسلمين؟

دخلت عبارة “التطرّف الأميركي” اللغة العادية للدلالة على ظاهرة محدّدة في هذا القرن: القتل الموجّه ضد المسلمين، من دون تمييز ومن دون محاولة جادّة للتمييز بين المدنيين والمقاتلين، ووفقاً لمنطق التطرّف الأميركي، قتل المسلمين مشروع بغضّ النظر عن أعمالهم أو أعمارهم أو مكان وجودهم.

تُروَّج بعض أصناف الأيديولوجية الأميركية المتطرّفة في الكتب المدرسية، بما في ذلك كتابٌ مقرّرٌ لتدريس الصف العاشر بمدارس نيويورك، يُلزم الأميركيين بـ “اعتبار المسلمين أعداءهم”.

كيف إذاً يُمكن الاستجابة لمطالب الغرب بعدم تدريس الإسلام في مدارس بلاد المسلمين؟ أو بإلغاء الشريعة؟ أو بإقامة ديمقراطيةٍ يديرها متطرّفون (علمانيون)؟ من المعقول القول إنّ تغييرات معيّنة في الاستراتيجية العسكرية لحماس أو حزب الله قد تُخفّض جاذبية الإسلاموفوبيا المتطرّفة لدى شباب أميركا.

لكن من غير المعقول افتراض أنّ تشريع الربا سيُقنع المتطرّفين الأميركيين بتوقّف سيلان لعابهم عند التفكير في حقول النفط بالعالم الإسلامي.

وكما يُؤكّد أكثر من كاتب ومفكّر مؤخراً، يحتقر المتطرّفون الأميركيون العالم الإسلامي، ليس لما يفعله، بل لما هو عليه! لا شكّ أنّ هناك أميركيين يُعارضون الشريعة الإسلامية بطرق مُحدّدة، ويُصرّون على ذلك، غالباً بعنف.

تطرّف وليس انحرافاً

يقول إيفانز، إذا لم نميّز بين وفاة عرضيّة ناتجة عن حادث سيارة وبين القتل العَمْد، ينهار نظام العدالة الجنائية، وإذا لم نميّز بين قتل متطرّفين أميركيين اغتالت حكومتهم أبطالاً إيرانيّين، والذين دفعت ضرائبهم ثمن صواريخ تقتل الأبرياء في اليمن، والذين تدعم أصواتهم آلة الحرب الأميركية؛ وبين الاستهداف المتعمّد للمسلمين والغزو غير المبرّر لدول أضعف بكثير، فإننا نعيش في عالم من “العدميّة الأخلاقية”.

في عالم كهذا، يتلاشى كلّ شيء إلى الدرجة الرمادية نفسها، ولا نستطيع التمييز بين ما يساعدنا على تحديد توجّهاتنا السياسية ومواقفنا الأخلاقية.

إنّ الحديث بدقّة عن القوة الأميركية اليوم هو إدراك لتطرّفها – وليس انحرافاً عن معاييرها، بل نتيجة منطقيّة لتطرّفها.

إنّ الأمة التي تزعم أنّ لها حقاً عالمياً في القتل من دون محاكمة، والاحتجاز من دون تهمة، والمراقبة من دون حدود، وشنّ الحروب بلا نهاية، لا تدافع عن الحرية.

عندما وصف آية الله الخميني أميركا بـ “الشيطان الأكبر”، لم يكن منغمساً في مبالغات لاهوتيّة (عقدية)، بل كان يُمارس وصفاً سياسياً دقيقاً لا يطيقه الأيديولوجيون، كرهاً للوضوح.

لعلّ هذا هو السبب الحقيقي وراء بقاء لغة القوة الأميركية غامضة جداً، عاطفية جداً، غارقة عبثياً في خطاب الحرية والسلام. لأنّ التكلّم بصراحة – وتسمية الإمبراطورية على حقيقتها – يُخاطر بكسر “التعويذة”.

وهنا، يخلص إيفانز: قد نضطرّ إلى التساؤل عمّا يسأله بنهاية المطاف جميع المعارضين والمنشقّين، في كلّ مكان:

من هم المتطرّفون حقاً؟!

الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى