مقالات
لماذا لا يموت “داعش”؟

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على إعلان الولايات المتحدة الأميركية انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، حتى عاد التنظيم إلى واجهة المشهد عبر عملية نوعية استهدفت اجتماعاً مشتركاً أميركياً ـــــ سورياً في مدينة تدمر، وأسفرت عن مقتل جنديّين أميركيّين ومترجم مدني.
الحادثة، التي وُصفت داخل الأوساط الأميركية والسورية على حدّ سواء بـ “الصادمة”، لم تكن مجرّد ضربة أمنية محدودة، بل أعادت فتح ملف قدرات التنظيم الكامنة، ولا سيما على المستوى الاستخباراتي، وطرحت أسئلة جدّية حول حجم التهديد الذي ما زال يشكّله، وفرص تحوّله مجدّداً إلى عامل عدم استقرار قادر على تنفيذ عمليات موجعة، أو التسبّب باستنزاف طويل الأمد لقوات التحالف، والسكان المدنيين، وحتى للمشاريع الاقتصادية المحلية والإقليمية التي يجري الحديث عنها في مرحلة ما بعد انهيار النظام السابق، ومحاولات إعادة ترتيب الأوراق السياسية والأمنية في سوريا والمنطقة.
تتضاعف المخاوف المرتبطة بهذا الملف في ضوء التجارب السابقة للحركات “الجهادية” في الإقليم والعالم، إذ أظهرت معظم تلك التجارب أنّ الهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية التنظيمات المسلّحة أو زوال خطرها، بل غالباً ما تتحوّل إلى تهديدات منخفضة الوتيرة لكنها ممتدة زمنياً. سوريا، في هذا السياق، لا تبدو استثناءً، خصوصاً في ظلّ استمرار المواجهات التي تخوضها قوات الأمن العراقية الجديدة مع بقايا خلايا التنظيم في مناطق متفرّقة.
من هنا، يمكن القول إنّ بقاء تنظيم “داعش” واستمراره كتهديد فعلي لا يعتمد على عامل واحد، بل على ثلاثة عناصر رئيسية متداخلة. يتمثّل العنصر الأول في طبيعة الأهداف الآنيّة التي يسعى التنظيم إلى تحقيقها في مرحلة تشهد تحوّلات سياسية وأمنية عميقة داخل سوريا. أما العنصر الثاني فيتجسّد في البنية التنظيمية الجديدة التي اعتمدها التنظيم بعد انهياره ككيان مسيطر على الأرض ومنظومة مؤسساتية شبه متكاملة. فيما يرتبط العنصر الثالث بمصادر التمويل المادي والعسكري، ومدى ديمومتها وقدرتها على تأمين الحدّ الأدنى من الاستمرارية.
خلايا صغيرة وانتشار واسع
منذ خسارته السيطرة على المساحات الجغرافية الواسعة، وتفكّك منظومة تمويله الذاتي المنظّم، ومقتل أو اعتقال عدد كبير من قياداته خلال المعارك التي شهدها الشرق السوري والبادية، عمد تنظيم “داعش” إلى تعديل جذري في آليات عمله. انتقل التنظيم من نموذج السيطرة المركزية إلى نمط لامركزي يقوم على تشكيل خلايا صغيرة، غير مترابطة تنظيمياً بشكل مباشر، لكنها تلتقي عند الهدف العامّ والاستراتيجية العقائدية بعيدة المدى، المتمثّلة بإقامة “إمارة إسلامية” غير مقيّدة بزمن أو مكان محدّدين.
تنتشر هذه الخلايا في بقع جغرافية متعدّدة، غالباً خارج المدن الكبرى أو مناطق السيطرة السابقة، وتعمل ضمن تجمّعات سكانية متداخلة، ما يمنحها هامش حركة أوسع، ويصعّب مهمة رصدها أمنياً. وبحسب متابعين وباحثين في شؤون الحركات الجهادية، فإنّ هذا النمط من التنظيم أتاح لكلّ خلية قدراً كبيراً من الاستقلالية، سواء في اختيار الأهداف، أو توقيت الهجمات، أو حتى في تأمين مصادر تمويلها الذاتية.
وبذلك، لم يعد “داعش” تنظيماً مركزياً مموّلاً كما كان في سنوات تمدّده، بل بات عبارة عن مجموعات صغيرة وخلايا نائمة تتحرّك في الفراغات الأمنية، وتعتمد على تمويل محدود يشمل التهريب، الفدية، الإتاوات، أو الدعم المحلي القسري. وبعبارة أكثر وضوحاً، لم يعد هناك “مموّل استراتيجي” يقف خلف التنظيم، بقدر ما توجد بيئة مضطربة يسودها الفشل الأمني والاقتصادي، تسمح له بالاستمرار والبقاء.
ماذا يعني ذلك للتحالف والإدارة السورية الجديدة؟
يفرض هذا التحوّل في طبيعة عمل تنظيم “داعش” تحدّيات كبيرة ومعقّدة أمام التحالف الدولي، وكذلك أمام الإدارة السورية الجديدة. فالقضاء النهائي على تنظيم يعتمد على خلايا صغيرة ومنتشرة جغرافياً، ولا يرتبط ببنية قيادية مركزية واضحة، يصبح مهمة بالغة الصعوبة. صحيح أنّ عمليات هذه الخلايا غالباً ما تكون محدودة التأثير مقارنة بمرحلة السيطرة على الأرض، إلا أنها، في الوقت ذاته، تشكّل أداة فعّالة لاستنزاف الخصوم، وهو ما تؤكّده الأدبيات العسكرية الكلاسيكية.
هذا النمط من الاستنزاف برز بوضوح في البادية السورية خلال السنوات التي تلت هزيمة التنظيم، حيث تعرّضت مجموعات عسكرية ومدنية لهجمات خاطفة ومتفرّقة، أوقعت مئات الضحايا، وحوّلت بعض الطرق الحيوية، وفي مقدّمتها طريق دمشق ـــــ دير الزور، إلى مسارات شديدة الخطورة، لا يمكن التنبّؤ بتوقيت الضربات التي تستهدفها.
إلى جانب التهديد الأمني، تبرز خطورة أخرى لا تقلّ أهمية، تتمثّل في البعد الدعوي والفكري. فانتشار عناصر التنظيم بين المدنيين على نطاق أوسع مما كان عليه سابقاً، كما تشير المداهمات المتكرّرة التي تعلن عنها وزارة الداخلية السورية في عدد من المحافظات، يتيح لهذه العناصر نشر أفكار التنظيم، واستقطاب شرائح من الشباب الغاضب أو المهمّش، خاصة في مرحلة تشهد اعتراضات داخل بعض الفصائل المسلّحة على سياسات الانفتاح التي ينتهجها الرئيس أحمد الشرع تجاه الغرب، والتحالف معه لمحاربة التنظيمات الجهادية.
ويتعزّز هذا الخطر في ظلّ وجود تيارات داخل تلك الفصائل تتبنّى فكراً متشدّداً قريباً من خطاب “داعش”، سواء من حيث تكفير الآخر، أو رفض الدولة الوطنية، أو السعي لإقامة كيان ديني عابر للحدود.
واشنطن والاختبار المفتوح
في هذا السياق، لا يعني انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضدّ “داعش” تبدّلاً جذرياً في المعادلة التي أوجدت التنظيم وسمحت له بالتمدّد في مراحل سابقة، بقدر ما يعكس اعترافاً بأنّ الخطر لم يُحسم عسكرياً بشكل كامل. كما يمثّل محاولة لإدارة ما تبقّى من التنظيم عبر أدوات مثل ضبط الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، واحتواء الفوضى الأمنية.
ويرى بعض المراقبين أنّ التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا في نهاية العام الماضي تضع الإدارة الأميركية أمام اختبار جدّي لمدى التزامها بالقضاء على تهديد “داعش”. فالولايات المتحدة باتت اليوم على علاقة تنسيق أو تحالف مع معظم القوى العسكرية الفاعلة على الأرض السورية، من قوات سوريا الديمقراطية، إلى الجيش السوري الجديد، مروراً بالقوات التي أنشأتها في قاعدة التنف، وصولاً إلى القوات التركية والفصائل المتحالفة معها في الشمال. هذا الواقع، بحسب هؤلاء، يجعل من واشنطن طرفاً رئيسياً يتحمّل مسؤولية أيّ تباطؤ أو إخفاق في محاصرة التنظيم.
في المحصّلة، لم يكن “داعش” يوماً مشروع دولة بالمعنى الحقيقي، حتى في ذروة تمدّده وسيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا. لقد كان نتاجاً مباشراً لانهيار دول مركزية، وما رافق ذلك من فراغ سيادي، وصراع محاور إقليمية ودولية استثمرت وجود التنظيم بدرجات متفاوتة لخدمة مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية. وما يبقي “داعش” حيّاً اليوم، كفكر أولاً وكتهديد أمني ثانياً، هو استمرار الانقسامات الوطنية، والفشل الأمني، وتصاعد الخطاب الطائفي والتحريضي، وتناقض أولويات القوى الكبرى في المنطقة، أكثر مما هو قوة ذاتية متجدّدة للتنظيم نفسه.
الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



