ثقافة

في محضر السيد الشهيد الطبطبائي..

  

دعونا نخرج عن السياق المعتاد للكلام، ولنقل إن ما في مخزون المقاومة من قادة بدأ ينفد، وبالتالي، فإن المخاطر بدأت تزداد وتكبر على مستقبل المقاومة. وهذا احتمال من الاحتمالات التي لا ينبغي إقصاؤها وكأنها غير واردة مطلقاً. فحينما برز اسم الشهيد القائد أبو علي الطبطبائي جاء كومضة أمل تمسّك بها الجميع، ودعا له الجميع بطول العمر والسداد، ولكنه عاد واستشهد.

 

إلا أن الذي يجب أن نذكّر فيه أيضاً، أنه منذ شهادة الحاج عماد مغنية أعلن سيد شهداء الأمّة أن عماد مغنية أعد آلاف المقاتلين الذين حملوا روح عماد مغنية وإرادته وتصميمه، وأن الصفوف تضجّ بنافذي البصيرة من أصحاب العزم والصبر والثبات والقيادة.

 
وها نحن اليوم نسمع مجدّداً من القائد الجهادي الكبير الطبطبائي أن حزب الله «ولّاد»، وهو توصيف لرجل قائد في ميدان المعتركات الصعبة، ولا يمكن أخذ كلامه إلا على محمل الجد أيضاً.

 

إذاً، صحيح أن الضربات العدوانية التي تطال القادة والمجاهدين قد تؤخّر موضوعيّاً من تحقيق أهداف البناء، وبالتالي الردع، بل وتحقيق النصر، ولكنْ ثمة فارق كبير بين تأخير الإنجاز وبين منعه. فالحزب الولّاد الذي رصَّ فيه القائد الاستثنائي عماد مغنية من الرجال والذين انصاغوا بتهذيب وخصائص جهادية اعتنى سيد شهداء الأمة على صقلها فيهم، ما زالوا يعمّقون فعل الغضب ببناءاتهم وبطريقة الاستقطاب التي أخذت تتسع لأجيال جديدة لديها، فضلاً عن الشجاعة والإيمان والغضب، قناعة التجربة أن المقاومة هي الخيار الوحيد، كما ولديها من الاختصاصات الجديدة ما يضيف على اختصاصات المقاومة اختصاصات نوعية جديدة، وعلى ميادين عمل المقاومة ميادين جديدة، وعلى شرائح المجتمع المقاوم شرائح جديدة. بعضها قد يصل إلى مديات من شعوب وحركات هي خارج دائرة حزب الله القيادية والجغرافية؛ إذ عندما تتحوّل هذه المقاومة وقياداتها الاستشهادية إلى أيقونات ثورية عالمية، فمن الطبيعي أن تخلق بؤراً ثورية خارج حسابات العدو ومناظير رصده.

 

في حزب كبير ديني كحزب الله هو أصلاً لم يؤمن بالعمل الحزبي إلا كآلية تنظيمية لعمل وإجراء هادف، أن لا ينتهي حتى لو تفكّكت بنيته التنظيمية؛ لأن الروح والفكرة التي انطلق منها هي: أن الإسلام دين جهاد ومشروع نهضوي رسالي كتب الله على نفسه أن يحقّق له النصر، ولكن بما أن النصر يحتاج إلى آليات عملانية، فهو يتكئ على التدبير والتنظيم والخبرة والقادة والمجاهدين، وهم شروط النصر، وليسوا أسبابه الوحيدة. وإذا ما انصبغ شرط النصر بصبغة الصدق فيمن عاهدوا الله، فإنهم يتحولون بفعل شهادتهم إلى خطوة ثابتة على طريق المبدأ، كما عبّر سيد شهداء الأمة يوماً.

 

ومن انعكاسات هذا النصر:

1. تعميق القناعة لدى مجتمع المقاومة بصوابية قرارها، وأن لا بديل منه بعد وضوح ترهل البديل.

2. أن العدو لا يخوض معركة خيار قابل للتبدل، بل معركة وجود، يريد أن يستأصل فيها أصل الاعتقاد. ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سورة البروج، الآية 8).

 

فلقد بات واضحاً من المهلة التي أعطاها حزب الله لديبلوماسية الدولة اللبنانية ودور أجهزتها ومؤسساتها لتقوم بحفظ الشعب اللبناني. إنّ ردود فعل العدو ومن خلفه الولايات المتحدة الأميركية هو القضاء على أصل العزم وإرادة التحرّر، بل وأصل مجتمع المقاومة في عقيدته ورؤيته ودوره في لبنان والمنطقة، مما عزّز لدى كل فرد أن الموقف هو إمّا الثبات أو اقتلاع مجتمع المقاومة من جذوره، وبالتالي فلن تبقى طائفة ولا بلد ولا مؤسسة حكومية أو مدنية أو شعبية.

 

وأخيراً، أعلم أنك يا سيد أبا علي الطبطبائي خسارة كبيرة على طريق من انتكاسات عشناها مع فقد مجاهدين وقادة كبار، لكنني أعلم أيضاً أنكم أعمدة النور التي تضيء لنا مسير الهداية نحو الحسين (ع)، وكربلاء، وبأنكم أحزمة الضوء التي ستشرق الأرض من خلالها نوراً إلهيّاً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وتعود كل أرض محررة، ويعود المسجد الأقصى جامع الصادقين في صلاة التحرير الأخير بإذن الله.

  

شفيق جرادي – الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى