مقالات

الاصطفاف الإماراتي في ظل الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران

سعت دولة الإمارات من خلال تحرّكاتها المكثّفة في السودان، إثيوبيا، والصومال إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة، مدفوعة بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية، الاقتصادية، والأمنية المتداخلة.

 تعتبر الإمارات البحر الأحمر وخليج عدن شرايين حيوية لتجارتها العالمية. تسعى من خلال شركة “موانئ دبي العالمية” و”مجموعة موانئ أبو ظبي” إلى الاستثمار في موانئ استراتيجية مثل بربرة في أرض الصومال (بإجمالي استثمارات بلغت نحو 442 مليون دولار)، بناء قواعد لوجستية التخطيط لإنشاء ميناء “أبو عمامة” في السودان وتأمين ممر باب المندب، كذلك تأمين الأمن الغذائي والموارد الطبيعية.

 تسيطر شركات إماراتية على أكثر من 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية  في السودان، كما  تعدّ الإمارات المركز الرئيسي لتجارة الذهب السوداني، وتدعم أطرافاً محلية  كوكلاء مثل قوات الدعم السريع لضمان استمرار تدفّق هذا المورد الاستراتيجي، وهي من خلال ذلك تسعى إلى النفوذ الجيوسياسي ومواجهة المنافسين .

تدعم أديس أبابا مالياً وعسكرياً لضمان وجود حليف قوي في القرن الأفريقي يوازن القوى الأخرى، ساعية الى منافسة نفوذ دول مثل السعودية وتركيا وقطر في المنطقة من خلال خلق شبكة من التبعيّات الاقتصادية والأمنية على طول الساحل الأفريقي. ينظر إلى الدور الإماراتي أحياناً كـ “مقاول أمني” يوفّر نفوذاً غير مباشر لحلفاء دوليّين مثل “إسرائيل” في مناطق حسّاسة مثل موانئ إريتريا وجيبوتي.

تشهد اليوم العلاقات بين إيران والإمارات العربية المتحدة تصعيداً حاداً في ظلّ المواجهة العسكرية الجارية بين إيران من جهة و”إسرائيل”– أميركا من جهة أخرى.

أدانت الخارجية الإيرانية بشدّة ما وصفته بـالأعمال العدائية لأبو ظبي، معتبرة تحالفها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” مشاركة مباشرة في الحرب، دعت الإمارات المجتمع الدولي إلى التصدّي لتهديدات إيران النووية والعسكرية ووكلائها في المنطقة بشكل شامل.

مظاهر التحالف مع “إسرائيل” والمصلحة الاستراتيجية

هل أصبحت الإمارات شريكاً أساسياً في منظومة الدفاع الجوي الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها “إسرائيل” بشكل فعّال لمواجهة “التهديدات الإيرانية”؟

تتقاطع مصالح  الإمارات مع “إسرائيل” وأميركا في إضعاف نفوذ التيارات الإسلامية وتحجيم دور قوى إقليمية مثل تركيا وإيران. هذا يظهر بوضوح في القرن الأفريقي، حيث سهّلت الإمارات لـ”إسرائيل” موطئ قدم في موانئ وقواعد استراتيجية (مثل أرض الصومال) لتأمين البحر الأحمر.

تستفيد الإمارات من التكنولوجيا العسكرية والأمنية الإسرائيلية المتقدّمة لتعزيز سيطرتها الداخلية ونفوذها الإقليمي، وتجعلها العلاقة مع واشنطن، لاعباً لا غنى عنه في أيّ ترتيبات أمنية شرق أوسطيّة، مما يعزّز حلمها بالتأثير في مساحات جغرافية واسعة.

المستفيد الأكبر استراتيجياً من توسّع الامارات هي “إسرائيل”  فهي وفّرت لها عمقاً جغرافياً في الخليج على حدود إيران، كما فتحت لها أسواقاً استثمارية هائلة وممرات لوجستية بديلة لقناة السويس مثل مشروع الممر البري.

يبدو  العمل العربي المشترك والقضية الفلسطينية المتضرّر الأكبر من هذا التحالف الذي أدّى الى تفتيت المواقف العربية التقليدية وخلق محاور استقطاب جديدة أضعفت دولاً كبرى مثل مصر والسعودية، وأدخلت المنطقة في دوامة صراعات بالوكالة على طول سواحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

في ظلّ الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ما هو الدور الذي تؤدّيه الإمارات؟

في ظلّ المواجهة العسكرية المباشرة القائمة حالياً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، انتقلت الإمارات من سياسة “تصفير المشاكل” إلى الانخراط في دور وظيفي واستراتيجي جعلها في قلب الصراع، مما أدّى لقطيعة شبه تامة مع طهران.

تعمل الإمارات كمنصة انطلاق رئيسية للقوات الأميركية عبر قاعدة الظفرة ومنظومات الرادار المتقدّمة التي توفّر “إنذاراً مبكراً” لـ “إسرائيل” والولايات المتحدة ضدّ الصواريخ الإيرانية. انخرطت أبو ظبي بعمق في هندسة أمنية إقليمية تربط الدفاعات الجوية الإسرائيلية والخليجية ببيانات الأقمار الاصطناعية الأميركية، وهو ما تعتبره إيران تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

تُتهم الإمارات بتسهيل عمليات استخباراتية إسرائيلية تقنية وبشرية قريبة من السواحل الإيرانية، مستغلّة قربها الجغرافي. وهي تؤدّي دوراً حيوياً في تأمين سلاسل التوريد لـ”إسرائيل” عبر الممر البري من جبل علي مروراً بالسعودية والأردن للالتفاف على الحصار الذي يفرضه الحوثيون في البحر الأحمر.

لماذا تدهورت العلاقة مع إيران إلى هذا الحدّ؟

وصل التدهور إلى مرحلة الصدام المباشر لعدة أسباب جوهرية: ترى طهران أنّ استضافة الإمارات لمنظومات دفاعية إسرائيلية وتسهيل وجود أمني “صهيوني” على حدودها المائية هو عمل عدواني لا يمكن السكوت عنه. منذ بدء الحرب عليها بدأت إيران في تنفيذ ضربات انتقامية بالصواريخ والمسيّرات ضدّ أهداف اقتصادية في دبي وأبو ظبي، معتبرة أنّ الإمارات “مشاركة في الحرب” وليست مجرّد وسيط، مما كسر معادلة “الأمن مقابل التجارة” التي صمدت لسنوات.

تعتبر إيران التحرّكات الإماراتية في مضيق هرمز وباب المندب عبر دعم فصائل في اليمن والصومال محاولة لـ “خنق” النفوذ البحري الإيراني وتأمين الملاحة لـ”إسرائيل” على حساب مصالح طهران.

اكتشفت طهران أنّ التقارب الدبلوماسي السابق مع الإمارات كان “تكتيكياً” لكسب الوقت، بينما كانت أبو ظبي تبني تحالفاً عسكرياً صلباً مع واشنطن و”تل أبيب”.

أصبحت الإمارات اليوم بالنسبة لإيران جزءاً لا يتجزّأ من المجهود الحربي الأميركي-الإسرائيلي، مما جعلها هدفاً مشروعاً في العقيدة العسكرية الإيرانية الحالية، وأنهى دورها التقليدي كجسر تجاري لطهران.

كانت العلاقة التجارية عميقة ومهمة بين إيران والامارات (وتحديداً دبي) تمثّل “شريان حياة” متبادلاً لعقود، حيث اعتمدت طهران على موانئ الإمارات كبوابة رئيسية للعالم للالتفاف على العقوبات، بينما استفادت الإمارات من دورها كمركز إقليمي لإعادة التصدير. إلا أنّ نشوب “الحرب على إيران 2026” والصدام العسكري المباشر أدّى إلى انهيار هذه المنظومة والبحث عن بدائل جذرية.

طبيعة العلاقة التاريخية قبل الانهيار وبدائل كلّ دولة

حتى مطلع عام 2026، كانت الأرقام تعكس اعتماداً متبادلاً عميقاً بين إيران والإمارات التي  كانت ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، بحجم تبادل سنوي وصل إلى 28-30 مليار دولار في عام 2025.

كانت الإمارات عبر ميناء جبل علي المورد الأول لإيران، حيث توفّر أكثر من 20 مليار دولار من الواردات الإيرانية سنوياً، معظمها سلع تقنية وإلكترونية وسيارات يُعاد تصديرها.

تُقدّر الأصول والاستثمارات الإيرانية في الإمارات بنحو 50 إلى 300 مليار دولار، مع وجود أكثر من 8 آلاف تاجر وشركة إيرانية مسجّلة في دبي. يعيش في الإمارات نحو 500 ألف إيراني، يشكّلون جزءاً أساسياً من الطبقة التجارية والاستثمارية التاريخية.

أدّى الاستهداف المباشر لموانئ دبي وأبو ظبي بالصواريخ الإيرانية مطلع 2026 إلى توقّف شبه كامل للنشاط التجاري المعتاد، مما دفع الطرفين للبحث عن بدائل اضطرارية:

أصبحت باكستان هي البديل الاستراتيجي الأهمّ، لإيران، حيث فعّلت إسلام آباد في نيسان/أبريل 2026 اتفاقيات نقل بري كانت مجمّدة، لتحويل موانئ كراتشي وجوادار إلى بوابات بديلة للتجارة الإيرانية بعيداً عن جبل علي. كذلك سلطنة عُمان والهند، فقد برزت الموانئ العُمانية والهندية كحلقات وصل جديدة لتعويض تعطّل سلاسل التوريد التي كانت تمرّ عبر الإمارات.

زاد الاعتماد على الطرق البرية والبحرية عبر بحر قزوين وروسيا الممر الشمالي-الجنوبي لتأمين الاحتياجات الأساسية بعيداً عن الخليج.

نقلت الإمارات ثقلها التجاري من الخليج (جبل علي) إلى موانئ الساحل الشرقي المطلة على المحيط الهندي مثل الفجيرة وخورفكان، لتفادي مخاطر مضيق هرمز. تسارعت وتيرة العمل على ممرات برية وسكك حديدية تربط الإمارات بالسعودية والأردن وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية (حيفا) والموانئ المصرية، لضمان استمرارية التجارة بعيداً عن الممرات المائية المهدّدة.

ركّزت الإمارات على تعزيز التجارة غير النفطية مع دول مثل قطر (التي وصل التبادل معها إلى 13 مليار دولار في 2025 وروسيا والهند لتعويض خسارة السوق الإيرانية.

بينما تحاول إيران استبدال الإمارات بموانئ باكستان وعُمان، تواجه صعوبة بالغة في تعويض “الخبرة اللوجستية” والسيولة المالية التي كانت توفرها دبي. في المقابل، تخسر الإمارات سوقاً ضخماً، لكنها تعوّض ذلك بالاندماج في محاور تجارية جديدة (هندية-غربية) بعيداً عن النفوذ الإيراني.

يبدو الانفصال حتميّاً وهو يحدّد مسار دول في المنطقة ويغيّر توجّهاتها في إطار النظام العالمي الجديد الذي لا يزال في طور الارتسام.

هدى رزق – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى