حظيت زيارة البابا، لاوون الرابع عشر، إلى لبنان بتغطية إعلامية واسعة وباستقبال رسمي كبير، لكن كان لافتاً أنّ رئيس الجمهورية، جوزاف عون، والبابا تجاهلا تماماً، في خطابيهما، الإشارة إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي تواصل بالتزامن مع الزيارة، واكتفيا بالدعوة إلى السلام والمصالحة في لبنان والمنطقة.
فقد دعا البابا، في خطابه من القصر الجمهوري، اللبنانيين إلى اتباع «طريق المصالحة الشاق»، معتبراً أن «ھﻨﺎك ﺟِﺮاحاً ﺷﺨﺼﯿّﺔ وﺟﻤﺎﻋﯿّﺔ ﺗﺘﻄﻠّﺐ ﺳﻨﻮات طﻮﯾﻠﺔ، وأﺣﯿﺎناً أﺟﯿﺎﻻً ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻟﻜﻲ ﺗﻠﺘﺌﻢ. إن ﻟﻢ ﺗُﻌﺎﻟَﺞ، وإن ﻟﻢ ﻧﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺷﻔﺎء اﻟﺬّاﻛﺮة، وﻋﻠﻰ اﻟﺘّﻘﺎرب ﺑﯿﻦ ﻣﻦ ﺗﻌﺮّﺿﻮا للإﺳﺎءة واﻟﻈّﻠﻢ، ﻓﻤﻦ اﻟﺼّﻌﺐ اﻟﺴّﯿﺮ ﻧﺤﻮ اﻟﺴّﻼم. ﺳﻨُﺮاوح ﺣﯿﻨﺌﺬ ﻣﻜﺎﻧﻨﺎ».
وقال: إن «اﻟﻘﺮارات اﻟﻜﺒﺮى ﺗﺒﺪو وﻛﺄﻧّﮭﺎ ﺗُﺘّﺨﺬ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﻗﻠّﺔ ﻣﻦ اﻟﻨّﺎس، وأﺣﯿﺎﻧﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎب اﻟﺨﯿﺮ اﻟﻌﺎم، وﯾَﻈﮭﺮ ذﻟﻚ ﻛﺄنه ﻗﺪر ﻣﺤﺘﻮم»، مضيفاً: «أنتم ﻋﺎﻧَﯿﺘﻢ اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﺗﺪاﻋﯿﺎت اﻗﺘﺼﺎد ﻗﺎﺗﻞ، وﻣﻦ ﻋﺪم اﻻﺳﺘﻘﺮار اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ اﻟﺬي ﺧﻠّﻒ آﺛﺎراً ﻣﺪﻣّﺮة ﻓﻲ اﻟﻤﺸﺮق أﯾﻀﺎً، وﻣﻦ اﻟﺘّﺸﺪّد وﺗﺼﺎدم اﻟﮭﻮﯾّﺎت وﻣﻦ اﻟﻨّﺰاﻋﺎت، ﻟﻜﻨّﻜﻢ أردﺗﻢ وﻋﺮﻓﺘﻢ داﺋﻤاً أن ﺗﺒﺪأوا ﻣﻦ ﺟﺪﯾﺪ»، من دون أن يأتي على ذكر العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان.
من جهته، رحّب رئيس الجمهورية بزيارة البابا، قائلاً: «إنّكم لا تزورون بلداً عادياً، بل أرضاً محفوفة بخطوات التاريخ المقدّس».
وأوضح عون أنّ «واجب الإنسانية الحية الحفاظ على لبنان. لأنه إذا سقطَ هذا النموذج في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكانٍ آخرَ على الأرض، يصلح لها»، محذراً من أنه «إذا زال المسيحي في لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتها.
وإذا سقط المسلم في لبنان، اختلت معادلة الوطن، واختل اعتدالها.
وإذا تعطل لبنان أو تبدل، سيكونُ البديل حتماً، خطوطَ تماس في منطقتنا والعالم، بين شتى أنواعِ التطرّف والعنف الفكري والمادي وحتى الدموي».
وتوجه عون إلى البابا قائلاً: «أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم… ما يجمعه لبنان، لا يسعه أي مكان في الأرض. وما يوحده لبنان لا يفرقه أحد. بهذه المعادلة يعيش لبنان في سلام مع منطقته، وفي سلام منطقته مع العالم».
وتابع: «نحن نجزم اليوم، بأن بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء ابراهيم كافة».
ووصل البابا لاون الرابع عشر والوفد المرافق إلى مطار بيروت الدولي، عصر اليوم، آتياً من اسطنبول، وأقيمت له مراسم استقبال رسمي في مطار بيروت الدولي بحضور الرؤساء الثلاثة ونواب ووزراء وشخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية.
لاحقاً، انطلق موكب البابا، الذي تستمر زيارته 48 ساعة، من المطار باتجاه القصر الجمهوري، حيث كانت الحشود على جانبي الطريق المؤدية إلى القصر ترفع أعلام الفاتيكان تحية للحبر الأعظم.
كشافة المهدي تستقبل البابا
وكان الآلاف من كشّافة الإمام المهدي قد اصطفوا على طول طريق المطار، وصولاً إلى القصر الجمهوري، في استقبال البابا لاوون الرابع عشر، «تعبيراً عن المحبة والاحترام لهذه الزيارة التاريخية».
وقالت جمعية كشافة المهدي، في بيان، إن الأفواج من الأشبال والزهرات والكشافة والجوالة شاركوا في الاستقبال، إلى جانب القادة والقائدات، إضافة إلى الفرق الموسيقية الكشفية التي عزفت مقطوعات خاصة بالمناسبة، «في مشهد حضاري عكس روح الانفتاح والالتزام الأخلاقي التي تميّز أبناء الجمعية»، وتأكيداً على «القيم السامية التي تحملها جمعية كشّافة المهدي في تعزيز العيش المشترك، وترسيخ ثقافة الأخوّة والمحبة بين مختلف مكوّنات المجتمع اللبناني».