مقالات

على طريق الجنوب… فاجعة تختصر وجع عائلة كاملة

لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في جنوب لبنان. الشمس خرجت كالعادة من خلف التلال، والناس بدأوا يومهم بين المدارس والعمل والحقول. في إحدى القرى، كان أبٌ وأمّ يقفان على جانب الطريق، يودّعان ابنهما قبل أن يواصل طريقه. لحظة بسيطة جدًا، تحدث في كل مكان من العالم، ولا يتوقع أحد أن تتحول إلى آخر ذكرى.

لم يمر وقت طويل قبل أن ينهار كل شيء. وقع انفجار مفاجئ في المكان القريب من الشاب، وتحوّل المشهد الهادئ إلى حالة من الذهول والصراخ والركض. كان كل ما مرّ في ذهن والديه في تلك الثواني هو صورة ابنهما وهو يبتعد عنهما مبتسمًا. لم يتخيلا أن تلك الخطوة القريبة ستكون آخر خطواته.

ركض الأب أولاً، ثم لحقت به الأم.
لم يفهموا ما حدث بالضبط، ولم يكن في داخلهم أي مساحة لاستيعاب التفاصيل.
كل ما عرفوه هو أن فلذة كبدهم لم يعد يجيب، وأن صوتهم الذي كانوا يعتقدون أنه أقوى من العالم كلّه، لم يصل إليه في اللحظة التي احتاجوه فيها.

في تلك الدقائق التي بدت بلا نهاية، اختلط الخوف بالغضب، والانهيار بالصمت.
من الصعب على أي عائلة أن ترى ابنها يسقط أمام عينيها بدون قدرة على إنقاذه أو حتى لمسه بحرية. من الصعب أن نطلب من الأهل أن “يتماسكوا”، أو أن “يتقبلوا الأمر”، لأن الفاجعة أكبر من الكلمات.

ومع ذلك…
وبين كل هذا الانكسار، يظهر نوع غريب من القوة.
قوة ليست فارغة ولا مصطنعة، بل تأتي من الإيمان بأن من يرحل في هذا السياق يحمل معنى أكبر من موته، وأن مكانه لم يعد محصورًا في الأرض الضيقة، بل في فضاء أوسع وأكثر راحة وسكينة.

الأم التي كانت تبكي، بدأت بعد قليل تردد كلمات أقرب للدعاء منها للحزن.
الأب الذي صرخ في البداية، وقف صامتًا لاحقًا، وكأنه يحاول أن يصدق أن ابنه لم يعد بين يديه ولكنّه لم يختفِ من روحه.
هذه القوة ليست قوة “بطولة”، بل قوة الإنسان الذي يواصل الحياة رغم أن قلبه كُسر.

جنوب لبنان، مثل كثير من المناطق التي تعيش التوتر المستمر، أصبح مليئًا بقصص تشبه هذه القصة. قصص لأهل يودّعون أبناءهم بسرعة لم يختاروها، ولطرقات تحفظ آثار من مرّوا عليها، ولبيوتٍ تتعلّق صور الشهداء على جدرانها ليس باعتبارها رموزًا سياسية، بل باعتبارها ذكريات لأشخاص كانوا يأكلون معهم، ويضحكون معهم، وينامون في الغرفة المجاورة.

هذا المقال ليس محاولة لتمجيد الموت، ولا لتخفيف قسوته.
إنه محاولة لفهم ما يشعر به أهلٌ فقدوا ابنهم في لحظة غير متوقعة.
محاولة للقول إن وراء كل خبر نسمعه، هناك أمّ وأب وإخوة وجيران وأصدقاء ينامون تلك الليلة بطريقة مختلفة تمامًا عن اليوم الذي سبقها.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة وبساطة: أن شابًا خرج من بيته صباحًا، ولم يعد.
وأن والدين سيستيقظان من اليوم فصاعدًا على غيابٍ لا يشبه أي غياب آخر.

ومع ذلك… يبقى الدعاء هو الشيء الوحيد الذي لا يُنتزع من يدهم: اللهم ارحمه، وامنحنا القدرة على احتمال ما لا يُحتمل.

حسين صدقة 

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى