مقالات

مقاربة واقعية لمعادلات التفاوض بين لبنان والكيان الصهيوني

اعتاد الكيان الإسرائيلي أن يبني مساراته التفاوضية مع الدول العربية إنطلاقاً من تفوقه العسكري وحجم الدعم الدولي الذي يظهر إنحيازاً مطلقاً له.

فالولايات المتحدة ومن خلفها القوى الغربية لا تظهر أي حرج في التعبير عن علاقاتها العضوية مع الكيان حيث تعتبر أن تفوقه ووجوده هو الضامن الأساسي لمصالحها في المنطقة.

فأي علاقة تعاقدية أو تحالفية مع دول المنطقة الأخرى لن تكون موضع ثقة لناحية الإستمرارية أو الفاعلية. فالكيان الإسرائيلي في الوعي السياسي الغربي هو الإمتداد الحضاري الذي يتخطى حدود الشراكة ليشكل إمتداداً لمنظومة تتمحور وظيفتها حول تطويع محيط عربي شكل تاريخياً بؤرة إضطراب ليس من السهل تطويعها أو تدجينها.

فإذا كان من الممكن القول أن المنظومة الغربية قد نجحت في تكريس وجود أنظمة عربية أدت دوراً فاعلاً في وأد أسس القومية العربية وألغت حالة العداء الشعبي العربي العابر للحدود التي رسمها الإستعمار، فإن ذلك لم يشكل مصدراً لطمأنينة غربية مطلقة يمكن من خلالها العمل على تحقيق توازن في العلاقة بين هذه المنظومة من جهة وكل من الدول العربية والكيان من جهة أخرى.

فرغم الدعم المطلق الذي حصل عليه صدام حسين في حربه ضد الجمهورية الإسلامية حيث قدم للغرب خدمة ثمينة من خلال إستنزاف إيران، لم تتمكن القوى الغربية من هضم قوة جيشه وعملت على تدميره من خلال إيقاعه في فخ إحتلال الكويت.

ورغم العلاقة الإستراتيجية التي نسجتها هذه المنظومة مع دول الخليج وتقديمها الدعم المطلق لأنظمتها، كان لافتاً أن 15 خاطفاً من ال 19 كانوا سعوديين بالإضافة إلى إمارتيين إثنين.

وعليه أمكن التقدير أن الرؤية الغربية لواقع الدول العربية لا تستند إلى ثقة أو طمأنينة حيث أن تقديرها هو أنه في أي لحظة قد تنقلب الأمور في أي دولة أو مملكة بحيث تتحول إلى كيان معاد للولايات المتحدة والغرب.

بطبيعة الحال، لا يمكن تحليل الواقع اللبناني بطريقة مختلفة عن ما سبق حيث أن التاريخ قد أثبت أن أي لحظة قد تكون فارقة في هذا الإطار.

فبعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي أنهى مفاعيل إتفاق القاهرة عام 1969 الذي شرع وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان، وجدت الولايات المتحدة ومن خلفها فرنسا وبريطانيا الفرصة مؤاتية لتكريس النفوذ الغربي حيث أرسلت قوات إلى لبنان بهدف ملء الفراغ الذي أحدثه خروج ياسر عرفات من لبنان.

فقد كان من الطبيعي أن تستغل الولايات المتحدة هذه الفرصة لتثبيت النظام الجديد الذي أبدى إنفتاحاً على إمكانية تطبيع العلاقة مع الكيان وتحوبل لبنان إلى ساحة أمنية للولايات المتحدة ومن خلفها الكيان الإسرائيلي حيث سارع أمين الجميل إلى توقيع إتفاق 17 أيار الذي يمكن وصفه بوثيقة خضوع لبنان لمتطلبات الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة.

غير أن ما أظهرته الأحداث فيما بعد كان أن النظام الجديد لم يكن قادراً على الصمود في وجه الرفض الداخلي للوجود الغربي وللإتفاق حيث تزامن الإنقلاب على الإتفاق مع توجيه المقاومة لسلاحها نحو تلك القوات والتي كان أهم عملياتها تلك العملية التي إستهدفت تلك القوات والتي أودت بحياة أكثر من 300 جندي أميركي وفرنسي في يوم 23 تشرين أول عام 1983 دون أن ننسى ما تعرضت له قوات الإحتلال الإسرائيلي منذ عام 1982 حتى التحرير عام 2000 من ضربات يضاف إليها خسائر الكيان في حربي 2006 وحرب الإسناد الأخيرة.

وعليه، يمكن التقدير أن الرؤيتين الغربية والإسرائيلية للواقع اللبناني لا تأخذ بالإعتبار إمكانية ضمان تحول الواقع الشعبي في لبنان، خصوصاً في الجنوب، من حالة العداء إلى حالة السلام.

وبالتالي، يظهر موقف الكيان الإسرائيلي من التفاوض مع لبنان مرتكزاً إلى فكرة العداء وعدم الثقة بما يستلزم من وجهة نظرهم إخضاع لبنان أمنياً وعسكرياً بطريقة مباشرة وخشنة بحيث يفرض الكيان الإسرائيلي شروطاً متلاحقة تظهر عدم النية بالوصول إلى تهدئة عنوانها الردع وإنما التركيز على ضرورة فرض هذه التهدئة من خلال القوة العسكرية المطلقة والإخضاع السياسي والإقتصادي الذي يساعد في إسقاط الدولة متى تطلب الأمر ذلك.

من ناحيتها، تظهر الدولة اللبنانية تخبطاً في موقفها حيث أن الإنقسام الداخلي لا ينعكس حصراً على الواقع السياسي، وإنما يتخطاه إلى الواقع الشعبي حيث نجحت المنظومة الغربية في كي وعي جزء من الشعب اللبناني وأظهرته باحثاً ليس فقط عن النأي بالنفس عن أي صراع مع الكيان الإسرائيلي وإنما منحازاً بشكل فاضح للرواية الإسرائيلية وداعياً لإستخدام القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة بيئة المقاومة بغية القضاء عليها وتدميرها.

وعليه، إذا كان من الممكن توصيف التوجه الحقيقي لرئيس الجمهورية وفي بعض الأحيان رئيس الحكومة على أنه يستهدف تحقيق الوصول إلى تسوية وفق أسس حفظ السيادة وتحرير الأرض والمعتقلين وإعادة الإعمار، فإن هذا التوجه يصطدم في أحيان كثيرة بمواقف بعض الأطياف السياسية الداعية إلى الإنحياز للمشروع الإسرائيلي.

وإذا ربطنا هذا الواقع برؤية المقاومة الهادفة إلى عدم السماح بإسقاط لبنان تحت المظلة الإسرائيلية وضرورة عدم تقديم تنازلات مجانية والتمسك بحقوق لبنان السيادية وعدم التفريط بأدوات قوته، سيظهر واضحاً مستوى إنعكاس الإنقسام الداخلي ومدى تأثيره على موقف لبنان التفاوضي.

فإذا كانت المقاومة في لبنان لا تستهدف إبقاء لبنان في دائرة العدوان وإستباحة السيادة حيث أنها إلتزمت بشكل مطلق في مندرجات إتفاق وقف إطلاق النار المستند إلى القرار 1701، فإنها بالمقابل لا توافق على إسقاط حقوق لبنان السيادية تحت مطرقة الهيمنة الإسرائيلية وبالتالي تظهر من حيث المبدأ متوافقة شكلياً مع توجه رئيس الجمهورية.

وبالتالي يمكن لرئيس الجمهورية الساعي أولاً لحفظ السلم الداخلي وتكريس سيادة الدول على كل الأراضي اللبنانية أن ينطلق في تعاطيه مع العدوان من خارطة تحرك دبلوماسي تضع على الطاولة أهمية الدور اللبناني في تثبيت الأمن الإقليمي حيث تبدي عدة أطراف دولية حساسية مطلقة تجاه أي إستهداف لبيئة المقاومة بالإضافة إلى إمكانية الإستفادة من ورقة الردع الغير المباشر الذي يملكه لبنان إنطلاقاً من تقدير الكيان لما تمتلكه المقاومة من قوة لم ينجح في تدميرها دون أن ننسى قرارات الشرعية الدولية وواقع العزلة الدولية التي بات يعاني منها الإحتلال بعد جريمة الإبادة التي ارتكبها في غزة.

ناهيك عن الدعم الخارجي والتشابك الإقليمي الذي يعتبر أن لبنان طرفاً أساسياً فاعلاً في حل بعض القضايا العالقة كأزمة النزوح السوري واللجوء الفلسطيني ودون أن ننسى أيضا ما قد تفعله القوة الناعمة القائمة على العلاقات المتشابكة التي يتميز بها لبنان إستناداً إلى الموزاييك الطائفي الذي يتشكل منه المجتمع اللبناني.

يمكن القول هنا أن هذه المزايا لا تمنح لبنان موقع القوي المتمكن من فرض شروطه على طاولة المفاوضات الكبرى التي تديرها الولايات المتحدة لكنهاً حتما تساعد بفاعلية في تحقيق المطالب اللبنانية التي تنحصر في إطار الجغرافيا اللبنانية تحت عنوان السيادة السياسية والقدرة على إستثمار الموارد بحرية وضمان عدم تهديد أمنه الداخلي وعدم التفريط بقوة المقاومة التي تتشكل من نسيج لبناني لعب دوراً حسماً في بناء معادلات ردع إستراتيجية حيث كانت الدولة عاجزة.

الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى