مقالات
ماذا حصّل ترامب من زيارة الصين؟
انتهت الزيارة، وعادت الكاميرا إلى إيران، وإلى القاعدة التي تقول إن الحرب بين إيران وأميركا تفوز فيها الصين. وهذه كانت خلاصة تحليل بعد السابع من أكتوبر 2023. عندها، كان نتنياهو يسعى بجهدٍ دؤوب ويومي لجرّ بايدن وأميركا إلى ضرب إيران، وكانت المعطيات الاستراتيجية المستمرة حتى اليوم تقول إن تأخر واشنطن في مواجهة الصين سيعني القضاء على فرصتها في ترميم الهيمنة على النظام الدولي، أو النظام نفسه.
ذهب ترامب إلى الصين على قاعدة G2، التي تحدث عنها عبر “فوكس نيوز”، والتي يرى فيها أن أميركا والصين هما القوتان العظميان الآن وفي المستقبل المنظور.
وقد ذهب “في لحظة احترام”، بحسب تعبيره، بعد تأجيل الزيارة لأسابيع طمعاً بأن يحمل في يده ملف استسلام إيران الذي كان ليمكّنه من مفاوضة شي على تنازلاتٍ كبرى.
لم يحدث ذلك. بل اضطر إلى الذهاب مأزوماً في إيران وفي الداخل، لكن مع تمسكه بالقدرة على التهديد والتلويح باستئناف الحرب، وإلحاق الضرر بالصين، شريكة إيران والخليج. وبرأيي، أتت الزيارة كأمرٍ لا بد منه مع علم ترامب بأن لا شيء سيحمله في طريق العودة، سوى هدايا تذكارية يصر الصينيون على التعبير من خلالها عن أسلوبهم في إدارة الصراع. عملياً، لا نتائج مفيدة حقيقية.
ورغم ذلك، أصر ترامب في حديثه لـ”فوكس نيوز” على تعويم إنجازات صغيرة، كقوله إن الصين وافقت على شراء النفط الأميركي، وإن سفنها ستبدأ قريباً بالتوجه إلى الموانىء الأميركية لتحميل النفط.
لكن العارفين بما سبق الزيارة، يدركون أن لا مشكلة لدى بكين بشراء نفط أميركا، أو إي نفطٍ آخر على الكوكب، ما دام نمو عائدات هذه المبيعات لا يكفي لتعطيل نمو الصين.
لم تعطِ بكين ترامب نتائج يمكن صرفها في تعزيز مشروعه أو في إنقاذ أميركا من وحل غرب آسيا. فالتوافق على عدم امتلاك إيران أسلحة نووية ينسحب أيضاً على طهران التي تقول الشيء نفسه.
أما الرغبة الصينية في بقاء مضيق هرمز مفتوحاً فهو أيضاً موقف بديهي، وينسحب أيضاً على الجميع، وقد كان المضيق مفتوحاً بصورةٍ كاملة قبل 28 شباط-فبراير، لكن من تحمّل بكين مسؤولية تعثر الإمدادات عبر المضيق؟ طهران أم واشنطن؟ الجواب واضح.
وهذا يعني أن لدى بكين هامشاً واسعاً في الحديث عن تفضيلها عدم فرض رسومٍ على المضيق، وفتحه بصورةٍ كاملة، لكنها طرحت ذلك في سياق وقف أميركا للحرب، ومبادرة الصين إلى عرض المساعدة على تحقيق ذلك بالتوافق مع طهران.
ولفهم المسألة بصورةٍ أدق، يجب النظر إلى نمط السياسة الخارجية الصينية، الذي ينتج استقبالاً عالي الاحترام والرصانة لرئيس القوة الأكبر التي تشن عملياً حملة إكراه اقتصادي وعسكري وسياسي عليها. حربٌ حقيقية لا ينقصها سوى القصف المباشر، وهو غير مستبعد إذا ما نظرنا إلى السنوات المقبلة كأفق.
أيضاً، أنهى ترامب الزيارة وهو يردد أن الصين تعتمد على نحو 40% من احتياجاتها النفطية من موقع واحد في الشرق الأوسط، وهو إذا عاد إلى مواصلة العمليات العسكرية في إيران (كون الحرب الشاملة تبتعد) فإن ذلك سيعني أنه يريد تدمير إنتاج الطاقة في المنطقة كلها، بما في ذلك دول الخليج العربية، وهذه كارثة كبرى، لن تقضي على صعود الصين ولن تنقذ أميركا، حتى لو توسعت حصتها السوقية بعد ذلك موقتاً.
يقول ترامب إن أسعار النفط ارتفعت بنسبة ضئيلة للغاية بسبب الحرب مقارنة بما توقعه معظم الناس، ويرد مسؤولون أميركيون سابقون منهم آموس هوكستين بأن السعر الحقيقي لبرميل النفط وصل 170$، وأن ما ترونه على الشاشة من أسعار يتبخر فور محاولتكم الشراء الفعلي للنفط.
المشكلة لم تكن في الزيارة بحد ذاتها، فقد كان مخططاً لها أن تعود بتنازلات صينية حقيقية، لكن المشكلة كانت بالتحديد في الظروف التي سبقت موعدها الأول، ثم موعدها الثاني، ولم يكن لدى ترامب من خيار سوى إلغائها أو إجرائها من دون نتائج، وقد اختار الخيار الثاني. لكن، لماذا حدث ذلك؟
برأيي، استبقت طهران الزيارة بتأخير ردها على مقترح واشنطن 10 أيام لزيادة ضبابية التخطيط الأميركي للزيارة أولاً، ثم قدمت ردها، وتمسكت فيه بأقصى مطالبها، لمنع أي محاولة لمساومة الصين من جهة، ولإبقاء ترامب أمام الاستحقاق الصعب نفسه، إما مواصلة الحرب أو تقديم تنازلات جوهرية تتحول تلقائياً إلى هزيمةٍ استراتيجية.
فرض نظام جديد ورسوم على المضيق، وتحرير الأموال الإيرانية، ورفع العقوبات كلها، ووقف الحرب نهائياً، كمقدمةٍ لبحث باقي الملفات، هو الوصفة المثالية لمنع ترامب من أي هامش مناورة مع الصين. لكن، أليس ذلك خطراً على إيران نفسها؟
بالتأكيد نعم، لكن هنا يبرز دور صناعة القرار. طهران اختارت المسار الطويل لأنه الأجدى استراتيجياً، ولسببٍ وجيه آخر، هو غياب الثقة تماماً بينها وبين واشنطن.
فتقديم التنازلات، وفق منظورها، لا يجوز لمن هو غير مستعدٍ لتقديم تنازلاتٍ مقابلة، ورؤية طهران تقول إن أي تنازل تقدمه (خصوصاً وتحديداً فتح المضيق) سوف يستخدم مباشرةً للقضاء عليها بعد تحرر الاقتصاد العالمي من صدمة الطاقة التي تحدثها القيود على المضيق.
لذلك، تبقى كل الآثار الأخرى لاستمرار الصراع، بما فيها تجدد الحرب، أقل كلفةً من مواجهة هجمةٍ نهائية كبرى تخطط واشنطن لجمع دول العالم معها في تحالفٍ لإسقاط إيران.
وهذا يقود وفق النظرة الإيرانية، كما أفهمها على الأقل، إلى تفضيل مسار طويل يؤدي إلى انهيار مشروع ترامب تحت الضغوط الداخلية بعد خسارة أغلبية الكونغرس. (خصوصاً مع تسجيل محاولة ثالثة في الكونغرس لتقييد صلاحيات الرئيس بخصوص الحرب).
أما السيناريو الآخر الذي تفضله طهران عن المعاناة الطويلة مع ترامب، فهو أن تجبره الظروف وهذه الإدارة للصراع، على تقديم تنازلاتٍ فعلية تقود إلى اتفاقٍ متوازن. حتى اللحظة، الأمر غير مضمون، والسيناريو الأول هو الذي يعمل. دول الخليج وإيران يحاولون جميعاً التأقلم مع صراع طويل، من خلال إيجاد حلول تقنية لملف الطاقة، وقد سجلت ثلاث نقلاتٍ على هذه الرقعة:
– فتح شركة CMACGM خطاً بحرياً لنقل الطاقة من موانىء المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر (وتنقل بالشاحنات عبر البر من عمق البلاد)، لتجنب مضيق هرمز.
– اتجاه الإمارات إلى خط نقل طاقة بري من الساحل الغربي إلى ميناء الفجيرة في الشرق، متجاوزاً مضيق هرمز.
– وتوقيع إيران اتفاقيات مع باكستان والعراق، وهما على حدودها البرية، لخلق حالك استدامة في الصادرات على المدى الطويل، يتجاوز أي حصارٍ على الحصار، أو أي ضربٍ لمرافىء التصدير البحرية.
لكن، ماذا عن جبهة لبنان؟ ومن يستطيع الصمود فيها بعد أن ارتفعت كلفتها بصورةٍ دراماتيكية على لبنان و”إسرائيل”؟
المؤكد أن المسألة تزداد تعقيداً، في لبنان الواقع سيئ جداً على الناس الذين يتعرضون يومياً لجرائم إسرائيلية هستيرية فاقت كل التصورات (عدد كبير جداً خصوصاً بينهم نسبة أطفال توازي المدنيين الآخرين والمقاومين)، وللتهجير من عشرات القرى، وقيام “إسرائيل” بمحو تلك القرى، ومحاولة خلق أمر واقع تستخدمه على طاولة المفاوضات لمنع الناس من العودة إلى القرى بعد أي وقف للحرب. وقد التقط الرئيس نبيه بري هذا الخطر، وأجاب عنه بوضع خطٍ أحمر عريض، حين قال إن عودة الناس إلى كل القرى هو “بسم الله الرحمن الرحيم” بالنسبة إليه، أي بداية أي نقاش.
وقد زاد الضغط كثيراً على الداخل اللبناني، وعلى الموقف الرسمي الذي يجد نفسه بين نارين وخطرين حقيقيين: خسارة الوحدة الداخلية وتفجير الداخل مع كل ما يفتح عليه هذا الخطر من أحداث وتحولات، أو الذهاب بعيداً في مفاوضة “إسرائيل” مباشرةً، ومعها أميركا ، ومن دون وسيطٍ فعلي، أو ضمانات أو ما يمكن الوثوق به كأدوات لإرغام “إسرائيل” على الالتزام، وهي التي لم تلتزم بأي قرارٍ دولي حين كان الوسيط وسيطاً.
لكن هذه الصورة على سوداويتها، معكوسةٌ أيضاً على الجانب الآخر. فـ “إسرائيل” التي دخلت الحرب الحالية بعقلية “إنهاء ما تبقى من قدرة الحزب”، وجدت نفسها أمام انطلاقة نمطٍ جديد قاتل من الاستنزاف اليومي وبسلاحٍ مختلف تماماً عن أسلحة حرب 2024.
المسيرات الانقضاضية باتت أكثر من سلاحٍ رابح، لأنها مزدوجة الأثر، فهي من ناحية توقع إصابات يومية (قاربت 1000 إصابة وفق الأرقام الإسرائيلية وتحت مقص الرقيب)، ومن ناحية ثانية، فهي سلاح إنهاكٍ نفسي ومعنوي ودعاية فتاكة تمس صورة الجندي الإسرائيلي، وتضرب الزخم المعنوي لدى جنود الاحتياط وجبهتهم الداخلية تحديداً. وتمنع نتنياهو من ادعاء تحقيق انتصار مهما بلغ عمق التوغل، لأن العمق هنا يفسر على أنه انغماس في الوحل وليس سيطرةً وثبات.
أما الجانب الآخر الذي تكشفه هذه الصور التي يحملها السلاح الطائر، فهو إدارته البارعة للاستهداف حيث يتم انتقاء الأهداف بصورةٍ ذكية، ففي موقع ما يتم اختيار الجنود، وفي موقعٍ آخر دبابات الميركافا، وفي ثالث، آليات نقل الرتب العليا من الضباط لإعاقة حركتهم ودفعهم إلى بذل جهد أكبر وموارد أعلى لتأمين تنقلاتهم، وبالتالي تعريضهم لخطر أكبر وتحويلهم إلى عبءٍ على جنودهم، وقيمة ثمينة تستوجب الحماية، وهذه الحماية تكلف المزيد من الجنود حيواتهم.
لكن أيضاً هناك استهداف جرافات D9 بصورةٍ منهجية، لمنع المحتل من تثبيت سواتر وتحصين مواقع، وإبقائه في حالة دوران دائم في الجنوب، وهذا تعبير الصحافة الإسرائيلية التي قالت قبل أسابيع قليلة إن “الجيش” يدور ولا يثبت في الجنوب. وحتى تجد “إسرائيل” حلاً لهذه المسيرات (أيضاً روسيا وأوكرانيا والجميع) هي تحتاج إلى سنواتٍ.
حسناً، كيف تنتهي المسألة إذاً؟
هو سباق بين مسار إيران-أميركا، وارتفاع كلفة الاستنزاف في لبنان على الضفتين، ومسار واشنطن للمفاوضات بين لبنان والإسرائيليين.
من ناحية الزمن، لا يمكن تحديد الوقت المطلوب، فهو يعتمد على نتائج عض الأصابع، ومن سيصرخ أولاً.
أما من ناحية النتيجة المحتملة، فما يبدو منطقياً الآن هو أن أي اتفاقٍ بخصوص لبنان، لن يكون ممكناً من دون ضماناتٍ سعودية، إيرانية وأميركية. وهذا حرفياً ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري اليوم. وقد أصاب في يومين، وبعبارتين فقط، خلاصة تفاعلات الفوضى والنار وموازين القوى.
الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



