اخبار اقليمية
من صرخة “هند رجب” إلى القضاء الدولي.. “ما خفي أعظم”

أثار تحقيق برنامج “ما خفي أعظم” الذي بثّته قناة الجزيرة بعنوان “الملاحقون”، عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعدما كشف للمرة الأولى أسماء وصور ضباط وجنود إسرائيليين يُشتبه في تورطهم في جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وعدد من أفراد عائلتها والمسعفين الذين حاولوا إنقاذها في حي تلّ الهوا بمدينة غزة مطلع عام 2024.
التحقيق، الذي أعدّه الصحفي تامر المسحال ضمن سلسلة حلقات البرنامج الاستقصائي الأشهر، استند إلى وثائق وصور أقمار صناعية وشهادات وتحليل جنائي رقمي، بالتعاون مع مختبر “Forensic Architecture” بجامعة غولدسميث البريطانية، لتحديد المسؤولين عن الجريمة وتوثيقها ضمن سياق جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه على قطاع غزة.
وأكد مراقبون أن قضية هند رجب، التي هزّت الضمير الإنساني، أصبحت رمزًا لمعركة قانونية طويلة الأمد قد تغيّر شكل الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي في العقود المقبلة، ففي حين تستمر معاناة غزة على الأرض، بدأت في المقابل معركة جديدة، وهي معركة العدالة الدولية، التي يبدو أنها لن تتوقف حتى يحاسب الجناة على جرائمهم.
كما يرى مراقبون أن التحقيق سيجبر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على فرض قيود جديدة على تداول الصور والمقاطع التي توثق العمليات الميدانية، بعدما تحولت إلى أدلة ضدها، كما يُتوقع أن تُسرّع حكومة الاحتلال من جهودها لمحو أو إخفاء المواد الرقمية التي قد تُستخدم كإثباتات أمام المحاكم الدولية.
جريمة تهز العالم تعود القصة إلى يوم 29 يناير/كانون الثاني 2024، حين قُتلت الطفلة هند رجب (6 أعوام) بعدما ظلت تصرخ طلباً للنجدة عبر الهاتف في مكالمة مؤثرة تابعها ملايين الفلسطينيين.
بعد ساعات من تلك المكالمة، استُهدفت سيارة العائلة بقذيفة دبابة إسرائيلية، فقتلت الطفلة وأفراد أسرتها والمسعفين الذين وصلوا لاحقاً إلى المكان. التحقيق أظهر، بالأسماء والصور، ضباطاً وجنوداً من اللواء المدرع 401 – الكتيبة 52، وهي الوحدة التي أطلقت النار على السيارة، من بينهم الجندي إيتاي شوكيركوف (يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأرجنتينية) والضابط شون غلاس.
كما كشف البرنامج عن وثائق عسكرية مسرّبة تشير إلى قائمة تضم نحو 30 ألف طيار وفني ومشارك في سلاح الجو الإسرائيلي شاركوا في قصف غزة، ما يمثل سابقة خطيرة من حيث حجم التسريب ودقّته.
وفي واحدة من أبرز المفاجآت التي كشفتها الحلقة تمثلت في أن بعض المعلومات وصلت من داخل الكيان الإسرائيلي نفسه، من جهات داخل المؤسسة العسكرية والمدنية، الأمر الذي يشير إلى تصدّع داخلي ووجود من يرفض التواطؤ مع جرائم الحرب أو يسعى لتأمين نفسه قانونياً من خلال تسريب الأدلة.
ويُرجح أن هذه التسريبات ستفتح الباب أمام مزيد من الإفشاءات في المستقبل، سواء بدافع الضمير أو مقابل المال أو الحماية من الملاحقة.
كارثة قانونية تهدد الاحتلال الكاتب والصحفي الفلسطيني مصطفى البنا علّق على الحلقة، مؤكدًا أن ما جاء فيها يمثل تحولًا نوعيًا في معركة العدالة الدولية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
إذ أصبحت الملاحقة القضائية تمتد من رأس الهرم، من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، وصولاً إلى أصغر الجنود والضباط والطيارين الذين شاركوا في القصف والعمليات العسكرية على قطاع غزة.
وقال البنا إن ما كشفه التحقيق يشير إلى “كارثة حقيقية” على الكيان الإسرائيلي، إذ لم يعد القادة فقط هم المهددون بالملاحقة، بل الآلاف من عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي الذين تورطوا بشكل مباشر في عمليات القتل أو التدمير، سواء بالأوامر أو بالفعل.
وأضاف أن ما يميز هذه المرة هو الطابع الواسع والمنهجي للملاحقات القضائية، والتي تجاوزت النطاقات الضيقة التي كانت تشهدها المحاكم الأوروبية في العقود السابقة.
من المفارقات التي أشار إليها البنا، أن الجنود الإسرائيليين أنفسهم قدّموا، دون قصد، الأدلة الأقوى ضدهم، حين نشروا مقاطع وصورًا توثّق جرائمهم بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة، في محاولة للتباهي أو استعراض “بطولاتهم”.
هذه المواد المصوّرة، التي كانت وسيلة للدعاية الإسرائيلية، تحوّلت الآن إلى أدلة جنائية موثقة تتيح للمؤسسات الحقوقية الدولية ملاحقتهم أمام المحاكم في أي بلد تتوفر فيه الولاية القضائية.
واعتبر البنا أن أخطر ما في تحقيق مؤسسة هند رجب هو أن جزءًا من المعلومات جاء من داخل إسرائيل نفسها، من داخل المؤسسات العسكرية والحكومية.
ويرى أن هذا التطور يفتح الباب أمام موجة جديدة من التسريبات، سواء لأسباب مالية أو سياسية أو بهدف الحصول على ضمانات بعدم الملاحقة، لافتًا إلى أن “من سرّب اليوم وثائق عن الجرائم قد يسرّب غدًا ما هو أخطر من ذلك”.
مادة دسمة للملايين ومن بين ما كشفه التحقيق، قائمة مسرّبة تضم أسماء ومعلومات نحو 30 ألف طيار إسرائيلي شاركوا في قصف قطاع غزة.
وقال البنا إن هذه القائمة ستتحول إلى “مادة دسمة” للملايين حول العالم ممن هزّتهم مشاهد الإبادة في غزة، لتكون وسيلة للتشهير والملاحقة القانونية والاجتماعية في بلدانهم، سواء عبر مؤسسات حقوقية أو مبادرات فردية.
واعتبر الكاتب أن الاحتلال الإسرائيلي خسر معركة القضاء كما خسر من قبل معركة الرواية، فعلى الرغم من إنفاقها الضخم على الحملات الدعائية والسياسية، إلا أن الرأي العام العالمي يميل بصورة متزايدة لصالح فلسطين، مدفوعًا بمجهودات تطوعية ضخمة من ناشطين لا يتلقون تمويلًا بل يعملون بدافع إنساني وأخلاقي.
ووصف البنا هذا التناقض بين قوة المال الإسرائيلي وضعف التأثير الشعبي بأنه “مشهد مثير للسخرية والاعتزاز في آن واحد”.
تداعيات داخل الجيش ويرى البنا أن التحقيق سيجبر حكومة الاحتلال الإسرائيلي وجيشها على اتخاذ إجراءات عاجلة لحذف أو إخفاء أي مواد أو بيانات يمكن أن تستخدم كأدلة ضدهم، كما أنه سيغيّر سلوك الجنود والضباط الإسرائيليين الذين اعتادوا الظهور علنًا والتفاخر بعملياتهم.
وقال البنا: “من الآن فصاعدًا لن يتجول الجندي الإسرائيلي فخورًا في العالم كما كان، بل سيعيش ملاحقًا خائفًا من شبح المحاكم والاتهامات بالإبادة”.
وأكد على أن هذا الجهد القانوني الضخم الذي بادرت به مؤسسة هند رجب قد لا يحقق نتائجه فورًا، لكنه سيؤسس لتحول جذري في صورة الجندي الإسرائيلي أمام العالم، مشيرًا على أنه “ربما لن ترى غزة ثمرة هذا الجهد قريبًا، لكننا سنرى يومًا جنودًا إسرائيليين خلف القضبان، وهذا ليس مستحيلًا ولا بعيدًا”.
وختم البنا: “لقد دمّرت إسرائيل حياتنا وماضينا، لكنها فقدت معنا أهم ما كانت تملكه: فكرة البقاء الأخلاقي ورواية المظلومية الزائفة”.
المصدر: وكالة شهاب
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



