مقالات
“مجزرة” الآليات الثقيلة في المصيلح… رسائل نار في أكثر من اتجاه

تتواصل الاعتداءات الصهيونية على لبنان عموماً وجنوبه خصوصاً، وتتخذ يومياً أشكالاً مختلفة وخطرة.
وقبيل منتصف ليل السبت – الاحد الماضي، اشتعل ليل الجنوب بسلسلة غارات في منطقة “كوع المصيلح”، وهي منطقة تقع على طريق النبطية – صيدا ، استهدفت بشكل متزامن 6 إلى 10 معارض للآليات الثقيلة، على طول الطريق المؤدي إلى المصيلح.
القنابل التي أُطلقت، بحسب تقديرات مهندسين محليين، كانت من نوع صواريخ ذكية موجّهة حرارياً، استهدفت تجمعات للرافعات والجرافات والشاحنات. والنتيجة خلال دقائق: أكثر من 300 آلية محترقة أو مدمَّرة بالكامل، بينها حفّارات ضخمة وشاحنات نقل كانت معدّة للبيع أو الإيجار في مشاريع إعمار الجنوب.
الضحايا والخسائر
وزارة الصحة اللبنانية أعلنت عن استشهاد عاملٍ سوري يعمل في أحد المعارض، وإصابة 6 مدنيين آخرين، بعضهم نُقل إلى مستشفى الشيخ راغب حرب في تول.
الأضرار المادية، وفق تقديرات أصحاب المعارض، تتجاوز 25 مليون دولار أميركي، وهي كفيلة بضرب قطاعٍ اقتصاديٍّ كامل، يعتمد على تجارة المعدات والإنشاءات في الجنوب.
وتشير اوساط جنوبية سياسية في محور المقاومة لـ”الديار” الى ان العدوان على بشاعته واجرامه واستهدافه منشآت مدنية، لا يقل اجراماً عن استهداف الكوادر في المقاومة، وحتى المدنيين والنساء والاطفال.
وتلفت الاوساط الى ان الابعاد الخطرة للهجوم، ليست فقط في استهداف منطقة آمنة وتعج بالمدنيين نهاراً، وفي محيطها حركة صناعية وتجارية، بل يكمن في نوعية الاستهداف ورسائله المختلفة وفي اكثر من اتجاه.
وترى الاوساط ان الهجوم له رسالة مباشرة ان إعادة الإعمار “ممنوع” كالسلاح المقاومة، ويربط العدو وفق ما تصل المراسلات والتسريبات الى الجهات الرسمية والحكومية، ان المطلوب سحب السلاح مقابل التهدئة، وان إعادة الإعمار مرتبطة بما يسمى بالحل السياسي وترسيم الحدود مع العدو والتطبيع معه لاحقاً، ولربطه بمحور “السلام” معه.
وتشير الاوساط الى ان الاخطر ايضاً من الاستهداف هو الانتقال الى مرحلة جديدة، وهي تعريض كل بنية تحتية او تجهيزات مدنية، او حتى منشآت وتجهيزات مدنية ومجتمعية ومخصصة لإعادة الإعمار، للعدوان والقصف. وفي رسالة مباشرة ان إعادة الإعمار ممنوعة، والجنوبيون محرومون من العودة الى اكثر من 60 قرية مدمرة (قرى الحافة الامامية)، والهدف انشاء منطقة “عازلة” او منطقة اقتصادية، وبالتالي تكريس الاحتلال.
وتؤكد الاوساط انه لا يمكن للعدو ان يبقى محتلاً لشبر واحد من ارضنا، ومهما كلف الثمن، ومهما غلفها بتسميات، فهو في الآخر تهجير للناس وتغيير ديموغرافي وجغرافي، وتكريس للاحتلال وليس شيئاً آخر.
شهادات من الأرض
ويكشف صاحب أحد المعارض المتضرّرة لـ”الديار”، اننا “كنا نغلق المعرض عندما سمعنا أول انفجار. ركضنا نحو الطريق فكانت النيران تبتلع الجرافات. احترقت آليات عمرها أقل من سنة، ولم يبقَ شيء يمكن إصلاحه.”
ويؤكد عماد احمد طباجة ، مالك معرض طباجة الذي تعرض للتدمير الكامل، ان الخسائر في المعرض والآليات وقطع الغيار فقط، ومن دون المنزل الذي تدمر، تتجاوز الـ5 ملايين دولار. وفق التخمين الرسمي للدولة اللبنانية، ووفق ما املك من فواتير رسمية واوراق الاستيراد والجمارك.
ويشير لـ”الديار” الى ان الهدف هو شل الاقتصاد الجنوبي، ومنع التعافي ومنع اعادة الإعمار. ويضيف: هذه الآليات مخصصة حصراً لإعادة الإعمار ، وتأهيل البنى التحتية واستصلاح الاراضي وشق الطرق وتعبيدها : من الحفارات الى الجرافات الكبيرة والصغيرة وكل المعدات الثقيلة.
ويرى ان العدو ومهما اعلن عن مزاعم لا تعنينا، فنحن شركة تجارية واقتصادية ولا اجندات سياسية او حزبية ، وعملنا مدني وتجاري، وبالتالي خسر 35 شخصاً عملهم و8 عائلات تعتاش من هذه المؤسسة، فإذا لم تعوض الدولة الخسائر، هناك كارثة حقيقية علينا.
ويلفت عامل في معرض آخر لـ”الديار” الى انه رأى “الصاروخ الأخير يسقط على المعرض المجاور. الصوت والحرارة لا يوصفان. سمعنا صراخ العمال السوريين في الداخل، وأحدهم لم يتمكن من الخروج.”
الأثر الاجتماعي والاقتصادي
بلدة المصيلح ومحيطها تضمّ أكثر من 400 عاملٍ لبناني وسوري يعتمدون على قطاع بيع وصيانة الآليات. وبعد الغارات، فقد معظمهم عملهم ومصدر رزقهم.
وتقول زوجة أحد أصحاب المعارض: “هذه ليست خسارة مال فقط، بل لقمة عيش الناس. كل من في المنطقة كان يعيش من هذه المعارض.”
بلدية المصيلح احصت الأضرار، وأرسلت تقريرا إلى وزارة الداخلية لتقدير التعويضات، فيما أبدى اتحاد بلديات المنطقة خشيته من “هجرة عكسية للعمال نحو العاصمة”، بعد توقف العمل في القطاع.
تهديد لاشخاص بعينهم
وفي مقابل استهداف العدو للبنية المدنية وإعادة الإعمار، بدأ العدو مرحلة جديدة بالتهديد بإستهداف الاشخاص والجهات والجمعيات، التي تسعى لإعادة الإعمار.
وفي السياق، برز تهديد “درون” صهيونية لاحد المهندسين والفاعلين على خط عودة سكان قرى الحافة الامامية الى قراهم، وهو المهندس طارق مزرعاني. وكانت “الديار” اضاءت في تحقيق نشر في 24 ايلول الماضي على الجهد الذي يقوم به المهندس طارق مزرعاني، وهو المنسق العام لتجمع ابناء القرى الحدودية.
وكان مزرعاني كشف لـ”الديار” ان التجمع تأسس منذ اشهر، ويضم ممثلين عن 45 قرية حدودية، وينشط فيه ما يقارب الـ300 شخص حالياً، وأن الهدف من تأسيسه هو المطالبة بتحقيق العودة الكاملة واعادة الإعمار وإغاثة الناس.
وينشط مزرعاني وهو احد ابناء بلدة حولا لإعادة سكانها وسكان 45 قرية اخرى الى قراهم. ومزرعاني وهو ايضاً مهندس العمارة وناشط في الشأن العام، ويتمتع بخبرة عملية وميدانية في مجال مسح الأضرار منذ حرب تموز، ويملك رصيداً كبيراً من العلاقات مع عائلات المنطقة.
وترى مصادر جنوبية معنية لـ”الديار”، ان استهداف مزرعاني او غيره كناشط مدني واجتماعي خطر جدا. ويُعرّض اي لبناني وعامل في اي مجال اجتماعي او انمائي او اعماري، لعودة ابناء قرى الجنوب المهجرين للخطر والقتل والاغتيال والتهديد.
وهذا الامر يحتاج الى وقفة جادة من الحكومة لحماية ابنائها، كما يفترض موقفاً حازماً من الجهات الدولية الراعية لاتفاق 27 تشرين الثاني، الذي يخرقه العدو ويمعن في ذلك يومياً.
علي ضاحي ـ الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



