مقالات
أطفال لبنان بعد الحرب: صدمات صامتة في زمن الاخلاءات والخوف
في وطننا لم يعد الخوف استثناء، بل صار رفيق الطفولة، ما عاد الاطفال يركضون للعب والفرح بل هربا من أصوات الانفجارات والغارات، يحملون حقائب المدرسة في يد وحقيبة الاخلاء باليد الاخرى. في عيونهم خوف دائم، وفي قلوبهم حنين الى بيوتهم المهدمة وأماكنهم المحببة التي لم يهنأوا يوما فيها بالامان الدائم.
عام مضى على الهدوء المعلن لكن الحرب لم تغادر اطفالنا، ما زالت تسكن في نظائرهم وفي ارتجافة ايديهم حين يسمعون صوتا، في قلقهم وخوفهم من الفقد المفاجئ.
صدمة لم تنتهِ
هالة، الطفلة ذو الـ 8 أعوام نزحت من قرية جنوبية يوم الاثنين المشؤوم، اصابت غارة سيارة بالقرب منها جرح والدها وعلقت عائلتها بين غارات العدو الاسرائيلي تقول: “وجه أبي الملطخ بالدماء يحتل ذاكرتي، خفت ان يكون قد تركني، جاء الصليب الاحمر وأنقذه. منذ تلك اللحظة وأنا أتبرع بمصروفي اليومي لهم. انا لا انام الا وأصابعي في اذني كي لا اسمع اصوات الغارات المفاجئة”.
لجأت هالة الى معالج نفسي لتتعافى من الامها النفسية فهي عندما ترتعب تعاني نوبات الهلع وسرعان ما تتحول هذة الاوجاع من نفسية الى جسدية.
التاثير النفسي والسلوكي
“العالم لم يعد آمناً”، بهذه العبارة عبرت الاختصاصية في علم النفس العيادي اسراء حمادي عن “الخلاصة المرة التي يصل إليها الطفل الذي يعيش في ظل بيئة مهددة، حيث لا يتوقف القلق حتى بعد صمت المدافع. الصدمة ليست بالضرورة الحدث المدوي الواحد، بل هي حال من الاستنفار النفسي الدائم تنمو في ظل الخوف والترقب المستمر”.
أضافت : ” الخوف الذي يلي الحرب قد يكون أصعب من الحرب نفسها. هذا التوتر يخلق واقعاً نفسياً معقداً للأطفال: سلام مفقود عند الطفل اذ يعجز عن التمييز بين الحرب والسلام، فهو يرى العالم مكانًا غير آمن يرافقه خوف داخلي يُزرع فيه ويصبح جزءًا منه، بخاصة عندما يرى الخوف والتوتر في أهله أو يسمع أخبارًا مقلقة”.
تابعت: “الأطفال لا يعبرون بشكل واضح عن اكتئابهم وصدماتهم بل أجسادهم تتحدث وتعبر عن هذا الضغط لذلك فإنهم يعبرون عن أوجاعهم بطرق أخرى”، تصفها حمادي بـ”لغة التعبير الصامتة التي تظهر من خلال السلوك العدواني: العنف في التعامل، تكسير الألعاب، وفقدان السيطرة، هي مخرج للغضب والخوف المكبوتين، والفن الداكن: الرسم بالألوان السوداء أو مشاهد الهروب والدمار، حيث يصبح الفن ترجمة بصرية للوجع الداخلي اضافة الى الانطواء والانسحاب اذ يتحول الطفل إلى شخص صامت ومنسحب، أو يزداد حساسية بشكل مفرط”.
خارطة الطريق للتدخل المبكر
أكدت الاختصاصية حمادي “ضرورة يقظة الأهل والكوادر التعليمية لرصد أي تغيير مفاجئ في نمط الطفل، وبخاصة أن الصدمة قد تظهر أعراضها بعد أشهر من انتهاء النزاع”، مشيرة الى “علامات الإنذار التي تستدعي الإحالة الفورية كالتغيير الجذري في النشاط واضطرابات النوم والخوف من الانفصال وازدياد هواجس الموت”.
وتلخص حمادي دور الكبار بالقول: “يجب على الأهل الإحالة الفورية للمساعدة بمجرد ظهور هذه الأعراض، قبل أن يتحول الجرح النفسي العرضي إلى ضرر دائم”.
دور المدرسة والكوادر التعليمية
تؤكد المعالجة النفسية في مدارس البيان في منطقة الحدث في بيروت حوراء حيدر أن “أحداث العام الماضي أفرزت ضغوطًا نفسية وتغيرات كبيرة على الأطفال، جراء صدمات مثل انهيار المنازل، والهروب المفاجئ، وسماع الصراخ، هذه الآثار ما تزال عالقة في عقولهم حتى اليوم”.
وأشارت الى “تسجيل ارتفاع حاد في مستويات التوتر وقلق الانفصال بين الأطفال. وشملت الأعراض المباشرة ظهور الكوابيس وفوبيا من الأصوات (مثل صوت إغلاق الباب الذي يسبب الصراخ). وتم رصد حالات بكاء لاطفال في الصف الثاني خوفًا من الانفصال عن الاهل”.
وأكدت أن فريق الدعم النفسي في المدرسة ركز “على تفريغ الطاقة السلبية عبر أنشطة تفريغية، شملت تمارين الاسترخاء والرسم والتعبي، بالإضافة إلى حملات توعية لترسيخ مبدأ أنه ليس من خطأ أن نبكي. اذ اعتمد العمل على التعاون المكثف مع الأهل عبر ورش عمل لامتصاص غضب الأطفال الناتج عن كبت داخلي والعمل مع المعلمين وتدريبهم على التعامل مع هذه الاثار النفسية. وتم تحويل الحالات الأكثر حدة إلى علاج نفسي متخصص”.
قد تتوقف الحروب، لكن الخوف يبقى ساكنًا في تفاصيل حياة الاطفال. هم لا يحتاجون فقط الى مأوى وغذاء، بل الى أمان نفسي حقيقي يعيد اليهم القدرة على رسم الفرح والأحلام من جديد، فحين تسرق الطفولة، لا يكبر الاطفال فقط بل يكبر الخوف معهم، هم يحتاجون الى ملاعب آمنة وليال بلا قلق وخوف، لا أن ينجوا فقط”.
الوكالة الوطنية للاعلام – تحقيق فاطمة عيسى
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



