مقالات

العريضة… من شريان اقتصادي إلى منطقة حدودية منسية!

في أقصى شمال لبنان، عند مصبّ النهر الكبير الجنوبي، يقع معبر العريضة الحدودي، وهو أحد أهم المعابر البرية الرسمية بين لبنان وسوريا، وقد سُمِّي بهذا الاسم نسبةً إلى قرية العريضة التي يقع فيها.

وجود المعبر على كتف النهر الكبير الجنوبي منحه أهميةً إضافية، وجعله معبرًا حيويًا بامتياز.

ولطالما شكَّل هذا المعبر شريانًا اقتصاديًا حيويًا للحركة التجارية ونقل البضائع والمسافرين، ولا سيما لأهالي شمال لبنان.

لكن اليوم، يعاني المعبر ضغطًا هائلًا بسبب الإغلاق المستمر لمعبر العبودية القريب منذ نحو عشرة أشهر، مما أجبر كلَّ حركة النقل التجاري والعبور الشرعي على المرور عبره، وذلك في ظل بنية تحتية متهالكة وإدارة غير فعّالة.

في زمنٍ ما بات يُعرف بـ”حرب الإسناد” بين لبنان وإسرائيل، تلقّى هذا المعبر ضربتين أدّتا إلى تعطّله وتوقّف الحركة من خلاله بالكامل.

وأُعيد تشغيل المعبر بعد أسابيع لخدمة حركة الشاحنات والركاب، بصيانة بسيطة، ومن دون الأخذ في الاعتبار، خلال مراحل الصيانة، مسألة ترميم الجسر المهدّم وصيانة هنغارات الأمن العام والجمارك التي تعرّضت لأضرار واسعة.

وبحسب مصادر في إدارة المعبر تحدثت إلى “المدن”، فإن الإغلاق المستمر لمعبر العبودية “فاقم الضغط على العريضة، إذ باتت كل حركة النقل البري التجاري وحركة المسافرين تمر عبره، ما أدى إلى بطء شديد في الإجراءات، وفوضى تنظيمية، وأحيانًا حالات توتر بين السائقين والجهات الأمنية بسبب طول الانتظار”.

وتضيف المصادر أن هذا الضغط الشديد لم يُترجَم إلى مردود مالي إضافي، بل على العكس، “لأن حالات الانتظار الطويلة جعلت المعاملات المنجزة يوميًا أقل”، رغم تقديرات غير رسمية تشير إلى مرور أكثر من ألفي سيارة يوميًا في الاتجاهين، كان من الممكن أن تؤمّن يوميًا مئات آلاف الدولارات كرسوم جمركية وضرائب لو أن المعبر يعمل بفعالية وبنية تحتية مناسبة.

ليست مشكلة المعبر في مسألة الصيانة والضغط فحسب، بل أيضًا في أوضاع مئات العائلات التي كانت تعيش من مهنة صيد الأسماك، وقد توقّف معيلوها عن العمل منذ الضربتين الإسرائيليتين اللتين طالتا المعبر.

وفي قرية العريضة، حيث اعتادت الحياة أن تنبع من ملح البحر، يخنقها اليوم صمت الإهمال وركام الجسر المدمّر، وعجز أكثر من 300 عائلة صيّاد وجدت نفسها فجأة خارج البحر وخارج الدولة.

يقطن العريضة أكثر من 1500 نسمة، ويعمل في مهنة الصيد نحو 85% من سكان القرية.

وقد مرّ على الضربة الثانية اثنا عشر شهرًا، والأهالي يطالبون الدولة، ممثَّلة بوزارة الأشغال العامة، بالعمل على إصلاح الجسر المهدّم أو — على الأقل — رفع ركامه عن رؤوسهم حتى يتمكّنوا من المرور تحته بمراكبهم التي ملّ الانتظارَ بها في عرض النهر، وبعضها يتآكله صدأ الأيام وتعوزه الصيانة، ولا مَن يجيب.

رئيس تعاونية صيّادي الأسماك في العريضة، محمد عبلة، يصف الواقع بمرارة في حديثه إلى “المدن”، ويقول: “الصيّادون باتوا عاجزين عن تأمين لقمة عيشهم، ويعتمدون على الديون لتأمين الضروريات.

الدولة نسيتنا، لا أحد يسأل عنّا، وليس في الأفق مشروع لإصلاح الجسر، وكل الاعتصامات السابقة التي نفذناها لم تصل إلى نتيجة”.

أمّا الصيّاد أحمد النداوي، فيحمّل الجهات المعنية كامل المسؤولية، قائلاً: “لا وزير الأشغال، ولا المدير العام للوزارة، ولا أي مسؤول زار المنطقة أو حاول حتى الاستماع إلى مطالبنا”.

وتختم زوجة الصيّاد وليد العلي بصرخة موجعة: “منذ أشهر، ورجالنا بلا عمل. من أين نأكل؟ طالبنا دولتنا كثيرًا ولم تلبِّ، فهل نطلب من الرئيس السوري أن يلبِّيَنا؟”.

وبين شريانٍ برّي مختنق وبحرٍ مغلق، تبقى العريضة نموذجًا حيًّا لمناطق لبنانية حدودية تعيش على حافة الانهيار، وتنتظر أن تتحرّك الدولة قبل أن تنفجر الأوضاع.

مايز عبيد- المدن

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى