مقالات

إيران… صمود أمّة تحت الحصار!

تستمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ ثورتها عام 1979، في الصمود لمدة 45 عاماً تحت وطأة العقوبات والحصار والصراعات الإقليمية.

خلال هذه الفترة، أظهرت الجمهورية قدرة ملحوظة على الحفاظ على نسيجها الاجتماعي واستقرارها السياسي، رغم مواجهتها للمعارضة الداخلية والتهديدات الخارجية.

لا توجد أدلة ملموسة تشير إلى أن النظام الإيراني أضعف من دول مثل الكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة.

على العكس، فإن الموقع الجيوسياسي لإيران، وعمق وعيها التاريخي، وقدراتها الاستراتيجية تجعلها بعيدة عن أن تكون كياناً هشّاً تسهل زعزعته.

مقاومة ثقافية وعسكرية عبر التاريخ

عندما انهارت الإمبراطورية الساسانية تحت وطأة الفتوحات العربية الإسلامية، اعتنقت إيران الإسلام، لكنها حافظت على هويتها الثقافية، وجعلت الفارسية لغة مؤثّرة في العالم الإسلامي.

لم تكتفِ إيران بذلك، بل إن الإيرانيين والمجتمعات الناطقة بالفارسية كان لهم دور حاسم في تشكيل مستقبل العالم الإسلامي.

حتى في العالم السنّي، كان أبرز العلماء والمفكّرين من الناطقين بالفارسية، من إقليم خراسان (إيران الحالية).

فمثلاً، مؤلّفو أهم المصادر السنّية، بمن في ذلك جامعو «الكتب الستة» الموقّرة في العالم السنّي، كانوا جميعاً من هذه المنطقة.

لقد تبنّت إيرانُ الإسلامَ بحماسة كبيرة، وأثّرت في المسلمين بقوة، حتى إن الأتراك، الذين اعتنقوا الإسلام لاحقاً، تعلّموه من الفرس، ولا تزال المصطلحات الدينية في اللغة التركية تحمل طابعاً فارسياً قوياً، بينما تقلّ الاستعانة بالمصطلحات العربية.

إيران، كجغرافيا تاريخية، أظهرت صموداً استثنائياً.

عندما دمّر المغول إيران، تمكّنت خلال فترة الإلخانيين من دمج الإدارة المغولية في ثقافتها، مع الحفاظ على تأثيرها الثقافي والإداري.

فقد تشكّلت بروتوكولات القصر الإلخاني تحت تأثير التقاليد الإيرانية، وكانت الفارسية هي اللغة السائدة في الأدب والإدارة.

وبعد خمسين عاماً من تأسيس دولة الإلخانيين، اعتنق المغول الإسلام بفضل تأثير الإيرانيين.

مع تأسيس الدولة الصفوية، تبنّت إيران الهوية الشيعية بدلاً من السنّية، ودخلت في منافسة مع العثمانيين، تجلّت في صراعات مثل معركة أطلوق بيلي عام 1473.

ورغم هزائمها المتكررة أمام العثمانيين، وخاصة بعد معركة چالديران التي أدّت إلى هزيمة الصفويين وسقوط تبريز تحت الحكم العثماني، لم يتمكّن العثمانيون من البقاء طويلاً واضطروا إلى الانسحاب.

خلال عهد القاجاريين، أصبحت إيران ساحة لصراع النفوذ بين بريطانيا وروسيا، وفي عام 1908، تعرّضت لاحتلال فعلي. لكن حتى البريطانيين، بكل قوتهم، لم يتمكنوا من الاستمرار في إيران.

لقد طوّرت إيران مقاومة عسكرية وثقافية ضد الغزوات، حيث حافظت على لغتها الفارسية وتراثها الثقافي رغم كل التحدّيات. على سبيل المثال، في الفترة التالية للساسانيين، عادت الفارسية لتتألّق كلغة أدبية وإدارية في العالم الإسلامي.

خلال عهد السامانيين والغزنويين، ازدهرت الفارسية في الدولة العثمانية رغم التأثير التركي. لم تكتفِ إيران بالصمود فحسب، بل كانت قوة تحوّلية خلقت تأثيرات إقليمية وعالمية.

شعب متماسك

على الرغم من وجود معارضة داخلية للنظام – خاصة بين الأجيال الشابة التي تعاني من الصعوبات الاقتصادية والقيود – فإن التاريخ يظهر أن المجتمعات التي تتعرّض لهجوم خارجي غير عادل تميل إلى وضع خلافاتها مع الحكومات جانباً والتكاتف حولها. الشعب الإيراني، من المحافظين إلى الإصلاحيين، يعطي الأولوية للوحدة الوطنية في مثل هذه اللحظات.

المثال الأبرز على ذلك هو حرب إيران-العراق (1980-1988)، حيث فشل هجوم صدام حسين في إسقاط النظام، بل على العكس، عزّز تماسك الشعب حول النظام.

اليوم، لا يمكن توقّع أن يتحول أي إيراني يمتلك الحد الأدنى من الحس الأخلاقي إلى صف العدو الذي يستهدف جيرانه أو مدنه أو رموزه الوطنية.

ومع ذلك، قد يتزعزع هذا التوازن إذا تعرّض النظام لهزيمة عسكرية حاسمة وثقيلة؛ فالتاريخ يظهر أن لحظات الانهيار هذه قد تؤدّي إلى تغييرات في النظام (مثل انهيار القيصرية الروسية عام 1917 خلال الحرب العالمية الأولى).

غياب البديل ووهم الصراع العرقي

في المشهد السياسي الإيراني، لا توجد قيادة أو حركة قادرة على تشكيل بديل للنظام الحالي، وهذه إحدى أقوى أوراق النظام الإسلامي.

تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها صعوبة في إيجاد شخصية تجمع المعارضة. حتى رضا بهلوي، وريث الأسرة البهلوية المنفيّة، يفتقر إلى الشرعية بين غالبية الإيرانيين، حيث يُنظر إليه كشخصية كرتونية تقريباً. ديناميكيات إيران الداخلية ليست مهيّأة لقبول قيادة مفروضة من الخارج.

يأمل بعض الجهات الخارجية في استغلال التنوّع العرقي في إيران (الأكراد، الآذريون، البلوش، إلخ) لإثارة اضطرابات داخلية. لكنّ هذا وهم بعيد عن الواقع.

إيران ليست دولة مصطنعة مثل سوريا أو العراق، أُسّست بحدود استعمارية. فهي تمتلك هوية وطنية قوية تستند إلى تراث الحضارة الفارسية الذي يمتد لآلاف السنين، والذي يجمع بين مختلف المجموعات العرقية.

على سبيل المثال، يشكل الأكراد 4% فقط من السكان، ويفتقرون إلى تنظيم سياسي قوي، واحتمالات حصولهم على دعم خارجي ضئيلة للغاية.

أمّا الآذريون، فقد كانوا دائماً من أكثر المجتمعات ولاءً لإيران، بل إنهم ممثّلون في أعلى مستويات الحكم (مثل المرشد الأعلى علي خامنئي). لذا، فإنّ فكرة زعزعة استقرار إيران عبر الانقسامات العرقية ليست سوى خيال استراتيجي.

اسلام اوزكان- الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى