متفرقات

من دمعة الحسين… بدأت قصة مسلم

ومضات الحسين فينا – الحلقة السادسة

مسلم بن عقيل… ومضة المسؤولية حين تتجسّد في رجل .

لم يكن مألوفًا في الميدان…
بل في الظلال، حيث يتحرّك الثُقات.
لم يكن من رجال الصفوف الأمامية في كربلاء،
لكنّه كان صانع مشهدها التمهيدي،
وسفير القضيّة في زمنٍ كان الكذب فيه أكثر من الصدق.

كان يُقال عنه: صامتٌ، ساكن،
لكن حين تراه على صهوة جواده… تعرف أن في داخله نارًا من شجاعة عليّ بن أبي طالب.

أرسله الحسين برسالة قصيرة، لكنها أعمق من أن تُقرأ على ورق…
فلم يكن سفيرًا فقط، بل كان ظلَّ الحسين، قبل أن يصل الحسين.

حين تكاثرت الرسائل من أهل الكوفة على الإمام الحسين عليه السلام، وبلغت أكثر من اثني عشر ألف رسالة،
كان جوابه واضحًا:
“إني باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل، لينظر في أمركم.”

لم يكن الحسين بحاجة إلى سفيرٍ يكتب بيانات،
بل إلى رجلٍ يتحمّل المسؤولية في أكثر اللحظات ضبابية.
وكان مسلم أهلًا لها.

دخل الكوفة سرًّا، فهزّها، وبدأ يجمع البيعة سرًّا.
ورغم الزخم الشعبي الكبير،
كان يدرك أن القلوب مع الحسين… والسيوف عليه.

في بيتٍ صغير من بيوت الموالين، في دار هاني بن عروة،
كان مسلم يرتّب خطوات النهوض…
لم يكن يبيت ليرتاح، بل ليخطّط.
وحين توفّر له أن يقتل عبيد الله بن زياد خفية،
رفض، لأنه يحمل وصيّة الحسين:
“لا تبدأهم بقتال.”

وفي لحظة واحدة، تبدّل وجه الكوفة.
هاني سُحب من داره، وسُحل في الطرقات، وضُرب حتى كُسرت عظامه.
ثم طُوّق بيت مسلم.
ومن كان حوله… تفرّقوا عنه.
وهو الذي لم يخنهم يومًا.

صلّى بهم صلاة المغرب،
وحين سلّم… لم يجد أحدًا خلفه.
تفرّقوا كما يتفرّق السراب.

في تلك الليلة… ضلّ الطريق في أزقّة الكوفة.
الظمأ أرهقه، والقلب مثقل بالغدر.
رآها واقفة تنتظر ولدها…
امرأة عجوز تُدعى طوعة.
قال لها:
“اسقيني ماءً.”
فجاءته بإبريق.
نظر إليها وسألها:
“ألي في دارك مأوى؟”
قالت:
“من أنت؟”
قال:
“أنا مسلم بن عقيل… غريب في أرض الغدر.”
فأدخلته، وقالت:
“آويك طلبًا لثواب الله… وإن غدروا بك، فلن أغدر.”

لكن في الصباح…
خانها ولدها، وأخبر ابن زياد.
وحوصرت الدار.
وبدأت الملحمة.

قاتل مسلم قتال الأبطال،
حتى أُغمي عليه من شدة الجراح.
ولما أُدخل إلى قصر الطاغية،
كان الدم يسيل من جبينه، والعطش قد أضناه.
طلب شربة ماء…
فما كاد يشرب، حتى امتلأ القدح دمًا.

وفي لحظته الأخيرة، بكى…
قيل له:
“أتجزع من الموت؟”
قال:
“لا والله، ما لنفسي بكيت… إنما أبكي لأبي عبد الله، الحسين، وآل الحسين.”
ثم قال:
“دعوني أوصي… إن لي دينًا في عنقي، ووصيّة لأبي عبد الله.”
فلم يُمهلوه…

أُمر به،
فقطِع رأسه،
وأُلقي جسده من فوق القصر… كما أُلقي جسد هاني بن عروة من قبله.
ولما بلغ الخبر إلى كربلاء، بكى الحسين طويلًا، وانسكبت دموعه حزنًا وألمًا على فقد مسلم،
وقال:
“لا خير في العيش بعدك يا مسلم.”
“رحمك الله يا مسلم… فلقد كنت من أهل بيت إيمانٍ وورعٍ وبذلٍ وجهد.”

العبرة؟
أن تكون مسؤولًا… لا يعني أن تُنتصر،
بل أن تُؤتمن… وتُوفي،
وأن تحفظ الوصيّة،
وأن تموت واقفًا، لا غادرًا.

ومضة مسلم بن عقيل،
ليست في بطولته فقط،
بل في قدرته أن يكون الحسين… قبل أن يصل الحسين .

الشيخ سامر عبّاني

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى