مقالات
«كيف يعود» سيد شهداء الأمّة؟

في لحظة غياب السيد حسن نصرالله، توقّف الزمن في عيون محبّيه. تقطّعت الأجوبة، وساد سؤال: «كيف يعود؟». هذا السؤال تحوّل إلى عمل مسرحي إنشادي، يُحاور القلوب والعقول.
فقد القائد وولادة السؤال
يستعرض الفيلم المسرحي الإنشادي «كيف يعود؟» فكرة الغياب بعيون الأطفال. تساؤلات بدأت عند زين السباعي، صاحب الفكرة وكاتب النص، من أحاديث متكرّرة مع من حوله: ما نفع الأشياء بعد رحيل السيد؟ ما معنى الفرح؟ لماذا نشعر أنّ كل ما حولنا بلا قيمة؟
يتحدث السباعي عن لحظة إحساس الناس بفقدان المعنى. يقول إن بعضهم قال له: «صرنا نستحي نضهر ونضحك». أراد أن يدخل إلى عوالم الأطفال، أن يفهم كيف يعبّرون عن هذه الخسارة. كتب النص قبل أن يتحول إلى شعر، مرتكزاً على الصور والمشهديات التي سيحملها العمل.
من هذا الشعور الجماعي بالحزن، جاء فيلم «كيف يعود؟» ليُعيد تشكيل الوعي بطريقة وجدانية ومعرفية، إذ تمثّل صفوف الأطفال في الفيلم مساحةً للحوار والتفكير.
في العمل الذي أنتجته منصة «خطوط» وكتب شعره محمد ترحيني، ينقسم التلامذة إلى فريقين: الأول بالزيّ الأسود، والثاني بالزي الأبيض. يعبّر الفريق باللباس الأسود عن الحزن والفقد، عن الوطن الذي أصبح بلا سند، فيقول: «غُرباءَ صِرنا بَعدَ فِقدانِ الوطن… مِفتاحُ داريَ أتلِفا… وتيتّم الوطن الأب».
من جهته، يُحاول الفريق باللباس الأبيض أن يقدّم مرافعةً عقلانية، تستند إلى مفاهيم قرآنية وتاريخية، تقول إنّ السنن لا تتوقّف عند شخص، بل تستمر بالرؤية والمنهج: «نقتات ضَوءاً للقلوبِ لكي نَرى رَغم الضَباب»، في إشارة إلى الفوضى التي ترعاها السياسات الغربية في المنطقة، وكان السيد يواجهها بوضوح وثبات.
تتطوّر المناظرة ليعبّر الفريق الأسود عن مدى الحاجة إلى سماحة السيد الآن: «كان حمانا، كان سِراجاً وسِياجاً… منهاجاً للحُبّ أبانا… كيف يعودُ وكيفَ يظَلّ؟»، يتدخل المعلّم، ليشرح للتلاميذ أنّ السيد لم يرحل قبل أن يزرع في قلوبهم البذور الطيبة. يقول السباعي: «الوردة لا تذبل قبل أن ترمي بذورها في الأرض، والسيد حوّلنا إلى مليون سيد».
مشهدية الغياب وسردية البقاء
يروي زين السباعي تفاصيل العمل بكثير من الحبّ. كتَب النص في ظلّ الحرب، وبدأ التنفيذ بخطوات بسيطة، لكنها عميقة في معناها. يقول إن الصفّ في الفيلم بلا زجاج حقيقي كما في الواقع، واستخدم القماش وورق النايلون بدلاً منه. أراد للسؤال أن يتمظهر: كيف يتعلّم الأطفال في ظل الدمار؟ كيف يستمر التعليم والإيمان بالفكرة رغم كل الظروف؟
اختير الأطفال من 27 مدرسة من «مدارس المهدي»، طفلان من كل مدرسة. صُوّر العمل في يومين في منطقة القصيبة جنوب لبنان. تبرّع الأهالي بتكاليف ملابس الأطفال، ووفّرت «مدارس المهدي» وسائل النقل. يقول السباعي إن كل من شارك في العمل فعل ذلك حبّاً بالسيد.
الألحان التي وضعها محمد حسين خليل، والتوزيع الذي أعدّه علي خليل، أدخلت على النص عمقاً عاطفياً. عُزف الناي والقانون، بألحانهما الهادئة، ليواكبا المشهد الحواري والنص الروحي.
يقول السباعي إنّ رمزية الأستاذ في الفيلم كانت محوريّة. الدخول إلى الصف المحطّم كان مشهداً بالغ التأثير، حيث يظهر الدمار في الخارج، ويُصرّ الأطفال على البقاء والتعلّم. فالمعلم هنا هو رمز للتربية المتواصلة على نهج القائد.
حيّ فينا… بوصاياه
في نهاية الفيلم، يتوصل التلاميذ إلى استنتاج ركيزة المقاومة «هيهاتَ نُغادرُ سَاحتَنا، أسيادُ الساحْ… أقلامُ رصاصِ رِسالتِنا، هي حِفظُ سِلاحْ». ووعد بأن يكونوا المنتظرين. وللسيد عهد بأن يبقى فيهم ببسمته ووصاياه: «تَبقى حَبيب القلبِ يا سيّد حسن».
يحمل العمل في رسالته شيئاً من التربية الفنية والروحية، يحاور الألم من دون أن يغرق فيه، ويعيد ترتيب الحزن ليصبح سُلماً نحو الأمل.
السيد نصرالله لم يرحل. غاب الجسد، لكنّ روحه باقية في وجدان من أحبّه. هكذا يحاكي الفيلم هذا الحضور العميق، ويجعل من الغياب استمراراً لنهج قد بدأه.
الاخبار _ زينة حداد
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



