مقالات
السيد لم يرحل

لم أصدق. كيف أُسلّم بأن الصوت الذي دوّى في ساحات العز قد خفت، وأن العين التي أبصرت الحقيقة قد أُغمضت؟ كيف أقبل أن الرجل الذي كان درعًا لهذا الزمن قد صار خبرًا يُنقل ووداعًا يُرتب؟
كنت أقاوم الفكرة، أرفضها في داخلي، وأقول: السيد لا يُستشهد، السيد أكبر من الفقد، السيد باقٍ. لكن حين قُرر يوم دفنه، شعرت أن الشهادة لم تكن حدثًا عابرًا، بل قدرًا خُطّ بتوقيت مُحدد، كأن التاريخ نفسه توقف ليشهد على رحيل لا يشبه غيره. كان يومًا فصل بين زمنين، لحظة أعلنت أن الرجال العظام لا يغيبون، بل يُنقشون في ذاكرة الأمة، يُخلّدون حيث لا تطالهم يد النسيان.
هو لم يترك فراغًا، بل ترك نهجًا متجذرًا في إرث الإمام الحسين (ع)، مدرسة كربلائية لا تغلق أبوابها، وصوتًا لا يصمت، وسلاحًا لا يُلقى. حمل إلينا قضية لا تموت، ورسالة لا تنكسر، ومسيرة ممتدة ما دامت الأرض تستصرخ الأحرار.
من هو السيد؟
هو سيد الكلام الذي إن نطق، خرس الزيف. سيد العصف الذي إذا مرّ، اقتلع الوهن. سيد المقاومة التي إن صمدت، زلزلت الطغاة. سيد الكلمة التي إن خرجت، أنارت دربًا وأحيت أمة. لم يكن فردًا، بل كان أمة في رجل، فكرًا حيًا لا يذبل، مدرسة وعي، ونهجًا من الإيمان والعزيمة.
علّمنا كيف نبصر ما لم نكن نراه، كيف نؤمن بأن الأرض لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الحقوق لا تُستجدى، بل تُؤخذ بالإرادة والقوة. لم يكن قائدًا عاديًا، بل كان البوصلة التي لا تحيد، الجسر بين الماضي والمستقبل، والتجسيد الحي لوعدٍ لا ينكسر.
رحل الجسد، لكن النهج باقٍ. بقي الفكر الذي حرّر الأرض، والصوت الذي أرعب العدو، والراية التي لا تُنكّس. هذا ليس اسمًا في كتب التاريخ، بل هو التاريخ الذي ما زال يُكتب، لأن روحه تسري في كل مقاوم، في كل راية تُرفع، في كل صرخة حق تُطلق.
فليطمئن قلبه، فهو لم يرحل. صعد إلى حيث لا تصل الأيدي، لكنه بقي بيننا، حيث لا يُهزم الصادقون، وحيث لا يموت الحق.
ريما فارس
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



