مقالات
مرثيات في وداع «عزيز الروح»

على مرّ التاريخ، كان الفن جسراً يعبر به الإنسان إلى عوالم لا تصل إليها الكلمات وحدها.
عبر الرسم، والموسيقى، والشعر، والنحت، والمسرح، استطاعت الشعوب أن تُخلّد أفراحها وأحزانها، وأن تروي قصصها وتاريخها. فكيف لا يودع محبّو السيد حسن نصرالله حبيب قلوبهم والأمين على تراب أرضهم؟
لم يكتف محبّو السيد حسن نصرالله بالكلمات وحدها لرثائه، إذ إن فقدان شخصية بهذا الحجم يتطلب أكثر من كلمات تقليدية؛ إنه يستدعي لغة أعمق وأكثر تعبيراً، ولغة الفن هي الأجدر بهذه المهمة.
منذ استشهاده حتى الأيام القليلة الماضية، انتشرت مرثيات وأناشيد تتناول وداعه. أصواتٌ حزينة تحمل في طياتها ثقل الخسارة، وفي ألحانها وفاءً لقائدٍ ترك أثراً في نفوس شعبه.
من بين الأعمال التي برزت، أنشودة «عزيز الروح» للشاعر الفلسطيني عبد قدورة. عمل لبناني فلسطيني مشترك، يؤديه المنشدون رضا نور الدين، أحمد عمرو، وعلي نعيم. تبدأ الأنشودة بمقطع صوتي من أحد خطابات السيّد نصرالله يقول فيه: «يا شعب فلسطين، إن طريقكم إلى الحرية هو طريق المقاومة والانتفاضة».
تأتي بعدها كلمات قدورة المغناة باللغة المحكية: «يا دمعة رح تبقى بعين الكل، هالناس ناطرتك لحتى تطل». وتكمل بحرقة الفقد: «معقول يا طير الجنوب تفل، وما عاد تحكينا على التحرير». وتختتم بجملة: «معقول بالطوفان يرحل نوح، وكم نوح محتاجين يا فلسطين».
أما مرثية «وداعاً أبانا» (كلمات الشاعرة فاطمة رزق، وأداء الرادود يوسف سعد العاملي)، فتبكي رحيل الأب الذي يكسر الظهر ويؤلم القلب. تبدأ المرثية بكلمات: «مذ غيبوك عن العيون الناظرة، في كل جسم صرت روحا حاضرة». وتكمل: «وداعاً أبانا يا جرحنا والجرح ليس له دواء». بهذه العبارات، تعرض المرثية مشهد وداع مؤلم، عندما يتحوّل الموت إلى حضور متجذّر في النفوس. هي رثاء لرجل مستمرٌ تأثيره حتى بعد رحيله.
وفي عمل مهدى للشهيد السيّد حسن نصر الله، كانت مرثية «قمر الشهداء» (كلمات الشاعر محمد سديف، وأداء الرادود محسن فنيش)، التي تصوّر وجعاً عميقاً. تبدأ المرثية بعبارات مؤثرة: «وجعي يمتد بحجم سماك، فأنا المذبوح بنزف دماك». وتتابع: «يا عين النصر حيث النصر في يمناك». وتكمل: «أشتاق لشيبتك السمحى» في استحضار لذاك الثائر، إمام المستضعفين الحسين ابن علي. بهذه الكلمات، تصف المرثية شخصية القائد الذي أصبح رمزاً للتضحية برحيله من بين أحبائه.
في تشييع السيّد المهيب، سيتداخل صوت البكاء مع أنغام العازفين الذين اختاروا التعبير عن وفائهم للسيّد عبر أوتارهم ونغماتهم. أبدى فنانون رغبتهم في المشاركة، وسيحمل بعضهم آلاتهم الموسيقية ليجعلوا الوداع أشبه بمقطوعة أخيرة تُعزف في حضرة سيّد المقاومة وشهيد الأمّة.
سيظل السيد حسن نصر الله حاضراً في كل لحن شجي، وكل بيت شعر يُلهب مشاعر الوفاء. إنه الفراق الذي يتحول إلى وعد بـ«إنا على العهد».
(الأخبار)
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



