مقالات
الفجوة المالية: قانون يدفن الودائع ويفتح الجراح

في ذروة العاصفة اللبنانية، حيث تتكاثف الخسارات وتتبدّد الثقة وتُستنزف أعصاب الناس، يبرز ما يُسمّى «قانون الفجوة المالية» بوصفه أخطر ما طُرح منذ بداية الانهيار.
ليس لأنه يلامس جوهر الأزمة فقط، بل لأنه يسعى إلى تحويل الكارثة من حدثٍ قابل للمساءلة إلى واقعٍ مُقنّن، ومن خطيئة سياسات إلى قدرٍ تشريعي.
هكذا، لا يعود القانون محاولة إصلاح، بل إعلان صريح عن نيّة تثبيت الخسارة وإقفال أبواب المحاسبة، وفتح أبواب جديدة للظلم تحت عباءة التقنية.
البداية كانت دائماً بالأرقام. أرقام كبيرة، متداخلة، مربكة. مليارات تتقاذفها التقارير، وعناوين تتحدّث عن فجوة لا بد من ردمها. لكن خلف هذا الضجيج الحسابي، غاب السؤال الأبسط والأشدّ إلحاحاً: من أين جاءت هذه الفجوة؟ ومَن صنعها؟ ومَن استفاد منها؟ وما الذي يجعل ردمها واجباً على مَن لم يشارك في حفرها؟ هنا، يبدأ المسار الحقيقي للنقاش، وهنا تتكشف نوايا القانون المقترح.
فالخسارة، بحد ذاتها، ليست موضع جدل. الجميع يعترف بها. لكن الخلاف يبدأ عند توزيعها.
القانون المطروح يتقدّم خطوة بعد خطوة نحو تحميل العبء للحلقة الأضعف، مستخدماً لغة «الواقعية» و«الإمكانات» و«الضرورات».
يبدأ بتوصيف تقني للفجوة، ثم ينتقل إلى اقتراح أدوات لمعالجتها، لينتهي عملياً إلى مسار واحد: اقتطاع الودائع، أو تجميدها، أو تحويلها إلى التزامات مؤجّلة، بلا ضمانات فعلية، وبلا أفق واضح.
في المقابل، تُخفَّف المسؤوليات عن الجهات التي راكمت الأرباح والنفوذ، وتُترك الدولة في منطقة رمادية، لا تُسأل ولا تُلزم.
تتصاعد خطورة المشروع حين يُراد تمريره على أنه المخرج الوحيد.
كأن البدائل غير موجودة، وكأن العدالة ترف لا تحتمله الظروف. لكن ما يُغفل عمداً هو أن أي معالجة لا تبدأ بتحديد المسؤوليات لن تؤدّي إلا إلى تعميق الأزمة.
الدولة التي استدانت بلا حساب، وأدارت المال العام بعشوائية، وغضّت النظر عن سياسات نقدية محفوفة بالمخاطر، لا يمكن أن تقف خارج معادلة الخسائر.
والمصرف المركزي، الذي لعب دوراً محورياً في هندسة الوهم المالي، لا يمكن تحييده عن المساءلة. أمّا المصارف، التي استفادت لسنوات من فوائد استثنائية، فلا يجوز أن تُعامل كضحية.
ومع كل فقرة جديدة في النقاش، يتبيّن أن القانون لا يسعى إلى إعادة الحقوق، بل إلى إدارة الخسارة بأقل كلفة سياسية على أصحاب القرار. يُقال إنّ المودعين سيستعيدون جزءاً من أموالهم، لكن من دون تحديد زمني واضح، ومن دون التزام صريح، ومن دون ربط ذلك بمصادر فعلية للتمويل.
تُستخدم النسب والسيناريوهات كستار لغوي يخفي حقيقة واحدة: ما سيُستعاد ليس حقاً، بل فتات مؤجّل، وما سيُشطب ليس رقماً، بل أعمار وأحلام وخطط حياة.
وهنا، يبدأ الرفض بالتحوّل من اعتراض تقني إلى موقف مبدئي. ليس لأن أحداً ينكر الحاجة إلى الإصلاح، بل لأن الإصلاح الذي يُبنى على الظلم لا يُنتج استقراراً.
فالقانون، بصيغته المتداولة، يضرب مفهوم الملكية الخاصة، ويهزّ أسس العقد الاجتماعي، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الادخار خطيئة، وأن الثقة بالدولة مغامرة خاسرة.
أي اقتصاد يمكن أن يُبنى على هذه القاعدة؟ وأي مجتمع يمكن أن يصمد إذا شعر أفراده بأن حقوقهم قابلة للشطب بقلم تشريعي؟
تتسارع وتيرة النقاش، ويزداد الضغط لإقرار القانون، وكأن الزمن وحده هو المشكلة. لكن الزمن ليس عدوّ العدالة، بل العجلة هي عدوّها.
فالقوانين المصيرية لا تُقرّ تحت الضغط، ولا تُفصّل على قياس التفاوض الخارجي، ولا تُمرّر باسم الخوف من الفراغ. بل تُبنى على رؤية شاملة، تعترف بالخسائر، وتوزّعها بعدالة، وتفتح باب المحاسبة بدل إغلاقه.
كلّما تقدّم النقاش، يتضح أن المسألة ليست مالية فقط، بل سيادية واجتماعية بامتياز.
تشريع الخسارة على هذا النحو يعني تكريس نموذج اقتصادي هشّ، قائم على التضحية بالمجتمع لحماية النظام.
ويعني أيضاً تعميق الفجوة بين الدولة ومواطنيها، وتحويل الإحباط إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة. فحين تُمسّ لقمة العيش، لا تعود الأرقام صامتة، بل تتحوّل إلى غضب.
من هنا، يصبح الموقف الرافض لهذا القانون تعبيراً عن دفاع عن فكرة العدالة قبل أي شيء آخر. عدالة لا تُختصر بتوازن دفاتر، بل تُقاس بمدى حماية الضعفاء، وبمدى تحمّل الأقوياء لمسؤولياتهم. عدالة ترى في الودائع حقوقاً لا أعباء، وفي الدولة طرفاً مسؤولاً لا حكماً محايداً، وفي الإصلاح مساراً شاقاً لكنه ضروري.
تبلغ الحجة ذروتها حين يُطرح السؤال الجوهري: ماذا بعد إقرار القانون؟ هل تعود الثقة؟ هل يُستعاد الاستثمار؟ هل يُبنى اقتصاد منتج؟ أم أن البلاد ستدخل مرحلة جديدة من التآكل البطيء، حيث يُقنَّن الفقر، وتُدار الأزمات بدل حلّها؟ التجارب تقول إن القوانين التي تُبنى على ظلم مؤجّل لا تصمد، وإن الاستقرار لا يُشترى بتأجيل الانفجار.
في الخلاصة، قانون الفجوة المالية، كما يُطرح اليوم، ليس جسر عبور إلى التعافي، بل محاولة لإقفال ملف الانهيار من دون إحقاق حق. هو نصّ يتصاعد من توصيف الأزمة إلى تثبيتها، ومن إدارة الخسارة إلى شرعنتها.
وبين البداية والنهاية، يقف الناس عراة أمام نظام يريد أن يخرج بأقل الخسائر… ولو كانت الخسارة هي الناس أنفسهم. هنا، يصبح الرفض فعلاً وطنياً، ويصبح التمسك بالعدالة شرطاً للإنقاذ، لا عائقاً أمامه.
عماد ياغي-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



