متفرقات

“الكيان” يستولي على أم كلثوم!

بعد نكبة عام 1948، لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بسرقة الأرض، بل تعدى ذلك ليسرق التاريخ والتراث الفلسطيني بشكل ممنهج حتى يومنا هذا.

أخيراً، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والعالم العربي بمشاعر الغضب، بعد إعلان فرقة «النور» الإسرائيلية عن تنظيم برنامج غنائي إحياءً للذكرى الخمسين لوفاة أسطورة الغناء العربي أم كلثوم.

أعلنت الفرقة عن الفعاليات عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان «الاحتفاء بالذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق» عبر إقامة حفلات في مدن مختلفة ضمن فلسطين المحتلة مثل القدس وحيفا ويافا وبئر السبع.

وفقاً للقانون المصري (الرقم 82 لعام 2002)، الذي يوحّد التشريعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية ويشمل حماية حقوق المؤلف وغيرها، فإن القانون يحدّد مدة حماية حق المؤلف بـخمسين سنة من تاريخ الترخيص بالنشر أو حياة المؤلف وخمسين سنة تالية، تؤول الحقوق فيها للورثة، ثم بعدها يدخل العمل تحت رخصة المشاع.

غضب جماهيري واسع

«لا يمكن فصل محاولة الاحتفاء بأم كلثوم عن سياق كامل وممنهج يقوم به الكيان منذ نشأته» جملة لخّصت مجمل آراء الناس الذين عبروا عن غضبهم من العدو الذي لا يردعه في ذلك أي وازع أخلاقي، فيزيّف التاريخ ويحرّفه ويسطو على الثقافة والفولكلور.

وقد نشرت صفحة «إسرائيل بالعربية» عبر إكس مقطع فيديو يُظهر تدريبات الفرقة، وذكرت في العنوان أنّ الحفلة هي «احتفاء بالموسيقى العربية التي تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة اليهود القادمين من البلدان العربية، وموضع حب وتقدير لدى العرب واليهود على حدّ سواء، فهي جسر بين العوالم، تتجاوز الحدود والثقافات والأديان».

رأى الناشطون والمؤثرون أنّ «السطو» على ذكرى أم كلثوم، يأتي ضمن حملة ممنهجة تطال المواريث الشعبية لسكان المنطقة. ووضعوا الحملة ضمن إطار الاستعمار الثقافي الناعم الذي لا يقلّ خطورةً عن عمليات التوسّع في الاستيطان وقضم الأراضي.

تاريخ من السرقة الثقافية

ليست هذه المرة الأولى التي يقوم بها الإسرائيليون بمحاولة الاستيلاء على التراث والفولكلور والعادات والتقاليد العربية. منذ البداية كانت المعركة مع المحتل الإسرائيلي حرباً على الهوية. رغم أن بعض المأكولات والأطعمة راسخة في ثقافة البلدان العربية، مثل الفلافل والحمص، أدرج الإسرائيليون أكثر من مرة هذه المأكولات ضمن فعالياتهم ومهرجاناتهم، واعتبروا أنها جزء من ثقافتهم وتاريخهم.

وفي صيف 2023، نشرت السفارة الإسرائيلية في كندا تغريدة على إكس أشارت عبرها إلى احتفائها بطبق الفلافل معتبرة أنّه «الطبق الوطني» لإسرائيل.

كذلك، أدرجت المطاعم والمؤسسات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة طبق الحمص ضمن لوائحها، وبدأت الشركات الغذائية الكبرى في الكيان بتصدير الحمص إلى أوروبا والولايات المتحدة تحت عنوان: «حمص إسرائيلي أصيل». تدّعي إسرائيل امتلاكها مطبخاً غنياً بأطباق كالحمص والمسخّن والمقلوبة والفلافل والشكشوكة والمفتول والشاورما، فتستغل مثلاً «اليوم العالمي للحمص» (13 أيّار/ مايو) من كل عام، للاحتفال «بطبقها الأيقوني» تحت عنوان «الحمص مذاق إسرائيل»، والتسويق له بوصفه طبقها الوطني.

كذلك تُخصِّص «للشكشوكة» أسبوعاً، يُقام في شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام. يُذكر هنا أن لبنان الرسمي رفع شكوى في الأمم المتحدة ضد إسرائيل بسبب نسبها طبق الحمص إليها، وقد اتهم رئيس جمعية الصناعيين يومها فادي عبود، إسرائيل بسرقة المطبخ اللبناني عبر تسويق بعض الأطباق على أنها خاصة بها.

كذلك الفولكلور

لم تسلم الدبكة من اليد الإسرائيلية، إذ أدخلت فرق إسرائيلية عدة الدبكة في برامجها، وترجمت بعض الأغاني الفلسطينية الخاصة برقصة الدبكة إلى العبرية. تدّعي إسرائيل أنه في حرب 1948، كانت عمليات النهب الإسرائيلية في فلسطين فردية، لكن المؤرخين الإسرائيليين أريئيلا أزولاي وآدم راز، يكشفان كيف كانت سرقة الممتلكات الثقافية والتراثية وغيرها، من ضمن سياسة إسرائيل لإفراغ فلسطين من سكانها الأصليين، ودعم مقولتها الاستعمارية بأنّ فلسطين أرض بلا شعب.

وتقول أريئيلا أزولاي، إنّه في حرب عام 1948، أصبحت كنوز هائلة من الممتلكات المنهوبة من بينها كتب، ومخطوطات، وصور فوتوغرافية، ومقتنيات مثقفين، ضمن الميراث الصهيوني. هكذا، شكّل نهب وتدمير مكتبات الفلسطينيين جزءاً أساسياً من محاولات الصهاينة لتهويد فلسطين ومحو ذاكرتها وتاريخها.

وجوب مقاومة الاستيلاء الثقافي

رغم كل ما يحصل، يحتفل الشعب الفلسطيني في السابع من شهر تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، بيوم التراث الفلسطيني، بناء على توصية وزارة الثقافة الفلسطينية، وقرار مجلس الوزراء عام 1999، بهدف الحفاظ على الهوية الفلسطينية، والحفاظ على التراث الفلسطيني من أي محاولات لطمسه، ونسيانه وتهويده.

وبسبب الثورة الرقمية التي نشهدها اليوم وسرعة انتقال المعلومات، أصبح التشويه والتضليل أسهل من قبل. بالتالي، فالمطلوب اليوم من الجهات الرسمية العربية والجمعيات المعنية بحفظ التراث، القيام بعملها لتأكيد حقها وملكيتها لموروثها الثقافي عبر الأدلة والبراهين وتوثيقه في المحافل الدولية.

لكن رغم ذلك، يأمل الباحثون أنهم عبر الاهتمام بالتراث الثقافي، ستكون الأوطان في موضع أقوى لمقاومة الاحتلال، فبين التراث والمقاومة علاقة من نوع خاص، حيث تستخدم المقاومة التراث كوسيلة للتعبير عن الهوية والحفاظ عليها ضد محاولات الطمس ولأنّ للتراث دوراً مهماً في تغذية روح المقاومة وتشكيل الذاكرة الجماعية.

الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى