اليوم، وعشية الاستحقاق الانتخابيّ البلدي، تقف العاصمة بيروت أمام مأزق وجودي، فبين مطالب المناصفة (أي المحاصصة المقنَّعة) ووعود الإصلاح والحوكمة، لم تتطرّق إلا قلّة قليلة من الطروحات إلى العطب الأساسي في إدارة هذه البلدية منذ سنوات وحتى الآن، وهو الهدر والفساد الموصوف اللذان حوّلا بلدية بيروت التي كانت أغنى بلديات لبنان بفضل مداخيلها وودائعها في مصرف لبنان، إلى حافة الإفلاس.
تُعدّ بلدية بيروت إحدى أكبر بلديات لبنان من حيث الموارد المالية والإنفاق، وتقوم ماليتها أساسًا على موارد محلية وتحويلات مركزية. تشمل مصادر دخلها الرسوم والضرائب البلدية التي تُجبى مباشرة من المواطنين (كالرسم على القيمة التأجيرية للعقارات، ورخص البناء، ورسوم الإعلانات والمحالّ، ومخالفات السير وغيرها)، إضافةً إلى الرسوم التي تجبيها الدولة لمصلحة جميع البلديات وتوزّعها عبر الصندوق البلدي المستقلّ.
أمّا في ما يخصّ آلية صرف الموازنة، فتخضع بلدية بيروت، كسائر البلديات، لقانون المحاسبة العمومية وللقوانين الخاصة بالإدارة المحلية. ويُفترض بالإنفاق البلدي أن يتمّ وفق موازنة سنوية يقرّها المجلس البلدي وتُصدِّقها السلطات الوصائية (وزارة الداخلية والبلديات والمحافظ) قبل تنفيذها. وتشمل الموازنة اعتماداتٍ للنفقات الجارية (رواتب الموظفين والأجور والتشغيل) وللنفقات الإنمائية (مشاريع البنى التحتية والخدمات). كما يُلزم القانونُ البلديةَ باحترام الأصول المالية المرعيّة في عقد النفقة وصرفها، بما في ذلك إجراء مناقصات عمومية أو استدراج عروض للمشتريات والمشاريع الكبرى، وتأمين الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة على العقود التي تتجاوز قيمة معينة (في البلديات الكبرى كبلدية بيروت كان الحدّ خمسمئة مليون ليرة).
تضخيم الموازنة وغياب الشفافية
مع الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ عام 2019، شهدت موازنة بلدية بيروت تضخّمًا كبيرًا بالليرة اللبنانية، لتبلغ عتبة المليارات. فعلى سبيل المثال، بلغت موازنة البلدية لعام 2022 نحو 278 مليار ليرة، وقفزت في موازنة 2024 إلى ما يربو على ثلاثة آلاف مليار ليرة. ويعزى هذا الارتفاع الاستثنائي أساسًا إلى تعديل قيم الضرائب والرسوم البلدية بعد انهيار سعر الصرف، ولا سيّما مضاعفة القيم التأجيرية التي تحتسب على أساسها الضريبة السنوية على العقارات ما بين عشرة أضعاف وعشرين ضعفًا. وبموجب هذا التعديل التشريعي (المادة 38 من موازنة 2024) ارتفعت عائدات بيروت بشكل ملموس، إلا أنّ هذا التضخّم المالي لم يُقابَل بشفافية في إدارة الأموال العامة، بل على العكس.
ورغم الزيادة الكبيرة في الإيرادات المحصّلة، امتنعت بلدية بيروت عن نشر تفاصيل موازنة العام الجاري وكيفية توزيع الإنفاق ضمنها. فقد أُقرّت موازنة 2024 على عجل في آذار، من دون إعداد قطع حساب عن السنوات السابقة، في استمرار لنهج تغييب المحاسبة الذي يمنع التحقّق من كيفية إنفاق الأموال العامة. ويمثّل هذا التعتيم المالي جزءًا من أزمة الشفافية في بلدية بيروت، حيث ظلّت القرارات المالية تُتَّخذ خلف أبواب مغلقة من دون إشراك للرأي العام أو حتى للمجلس البلدي بالصورة الكافية. وقد أدّى تراكم هذه الممارسات إلى تنامي نقمة الشارع البيروتي، الذي بات يتساءل: كيف تضخّمت موازنة العاصمة إلى آلاف المليارات فيما تتراجع البنى التحتية والخدمات، وأين تُنفَق هذه الأموال حقًّا؟
السلفات بالتراضي بدل المناقصات
من أبرز مظاهر غياب الشفافية وسوء الإدارة المالية في بلدية بيروت خلال الأعوام الأخيرة استبدال الآليات الرسمية للإنفاق (المناقصات العمومية) بأسلوب غير شفّاف يُعرف بالسلفات المالية المُعطاة بالتراضي. فمنذ نحو خمس سنوات توقفت البلدية عن إجراء مناقصات علنية لمعظم مشاريعها، واعتمدت بدلًا منها نظام السلفات المالية لتسيير الأعمال. ويعني ذلك عمليًّا تمويل نفقات ومشاريع البلدية عبر دفعات مالية مسبقة تُصرف مباشرة إلى متعهدين أو دوائر معيّنة من دون المرور بالإجراءات القانونية للمناقصة والتلزيم. وقد لجأت البلدية إلى هذا الأسلوب بحجة تردّي الأوضاع المالية وتقلّبات سعر الصرف التي دفعت المتعهدين إلى العزوف عن المشاركة في المناقصات التقليدية. ففي عام 2021 استصدرت رأيًا استشاريًا من ديوان المحاسبة (رقم 38/2021) يجيز، في ظروف استثنائية، تأدية بعض النفقات المستعجلة بواسطة السلفات بعد عزوف العارضين عن التقدّم بسبب التقلبات الحادة في سعر الليرة.
غير أنّ بلدية بيروت سرعان ما وسّعت تفسير هذا الرأي إلى ما يتجاوز حدود الضرورة والاستثناء، فتحوّلت السلفة من أداة دفع استثنائية إلى الآلية الرئيسية للشراء في البلدية، لتطال طيفًا واسعًا من النفقات والأشغال العادية. على سبيل المثال، باتت تُنفَّذ عبر السلفات مشاريع البنى التحتية والصيانة، وتزفيت الطرق، وترقيع الحفر، وتنظيف ريغارات الصرف الصحي، وتأهيل الأرصفة وجدران الدعم، فضلًا عن أعمال التشجير وتشحيل الأشجار في حرج بيروت ومواصفات الطرق، وصيانة آليات البلدية، وتأمين المحروقات لفوج الإطفاء والحرس البلدي وغيرها. جميع هذه الأعمال، التي يفترض أنّها ضمن النشاط العادي، كان يمكن أن تخضع لمناقصات شفافة، لكنّ البلدية آثرت تمويلها عبر سلفات تُمنح مباشرة إلى متعهدين محدّدين من دون أي منافسة.
شيوع الاحتكار وغياب المنافسة
خلافًا للقواعد المالية السليمة، كرّست سياسة السلفات بالتراضي الاحتكار والمحسوبية في بلدية بيروت. فبعد إقصاء المناقصات العلنية، غابت المنافسة بين الشركات والمتعهدين واقتصرت الأشغال على دائرة ضيّقة من المتعاقدين المحظيّين، الذين راكموا الأرباح من المال العام عبر تجديد السلفات بانتظام. نشأت بذلك شبكة زبائنية داخل البلدية توزَّع فيها السلفات على جهات محسوبة على المتنفّذين، بدل اعتماد معايير الكفاءة والسعر الأفضل. وقد أفرز هذا السياق بيئة مثالية للفساد والرشوة، إذ بات بعض الموظفين والوسطاء يتولّون دور “سماسرة” ينسّقون صرف السلفات لقاء عمولات غير مشروعة.
ملفات الهدر والفساد: ما كشفتْه الرقابة
لم ينهَر معدل الثقة بمالية بلدية بيروت بين ليلة وضحاها؛ فالتقارير الرقابية والتحقيقات الصحافية تكشف سلسلة ملفات هدر وفساد راكمت الخسائر طوال سنوات. بحلول مطلع 2023 وجدت البلدية نفسها على حافّة الإفلاس، ليس بسبب الأزمة الاقتصادية العامة فحسب، بل نتيجة عملية نهب منظَّمة استمرت أعوامًا، ولا سيّما بين 2017 و2019، حين صُرفت أموال ضخمة بلا تبرير كافٍ في ظل الإدارة السابقة للمحافظة والمجلس البلدي. وقد دفع هذا الواقع بالمجلس البلدي، في أيّار 2019، إلى اتخاذ قرار غير مسبوق يقضي بإجراء تدقيق جنائي في النفقات، وهو إقرار ضمنيّ بحجم التجاوزات.
قضية جسر سليم سلام: صدر القرار النهائي لديوان المحاسبة في 7 أيار 2024، ليؤكّد حجم الهدر في تلزيم وصيانة جسر سليم سلام: 6.8 ملايين دولار أُنفِقت من أصل كلفة إجمالية قُدِّرت عام 2017 بنحو 8.8 ملايين دولار، فيما بيّنت الدراسة الفنية أنّ قيمة الأعمال الفعلية لا تتجاوز 2.96 مليار ليرة. فرض الديوان غرامات قصوى على المحافظ السّابق زياد شبيب، ورئيس المجلس البلدي السّابق جمال عيتاني ونائبه إيلي أندريا، وأعضاء المجلس الذين أقرّوا التلزيم من بينهم راغب حداد، بتهمة “إلحاق الضرر بالمال العام”. كما وبحقّ المتعهد شركة أنطوان مخلوف للتجارة والمقاولات (الشخص المعنوي) الذي نُسب إليها هدر ضخم وتلزيم من الباطن، ومهندس الصفقات العمومية المهندس هاغوب ترزيان حُمِّل مسؤولية في تلزيم المتعهد من الباطن وغيرهم. أما الجدير بالذكر فإن عددًا من هؤلاء الأعضاء الذين صدرت بحقّهم الأحكام، مرشحون مرةً جديدة على الانتخابات البلديّة.
صفقة التشجير والتخضير: رصدت البلدية نحو 9.5 مليار ليرة لزرع الأشجار وتشجير الشوارع، أُسندت إلى شركة محسوبة على نافذين قبل انهيار العملة. تبيّن لاحقًا أنّ القيمة مبالغ فيها قياسًا بأسعار السوق، وأن التنفيذ هزيل؛ إذ أعيد تلزيم الأشغال لمقاول فرعي مقابل نحو 20 ألف دولار سنويًّا، ما يعني تقاضي الشركة الأصلية فرقًا يناهز 380 ألف دولار سنويًّا بلا وجه حق. أحيل الملف إلى القضاء بتهم الإثراء غير المشروع وهدر المال العام.
ملفّ إشارات السير التوجيهية: ركّبت البلدية لوحات مرورية من معادن ثمينة في عدد كبير من الشوارع، ليُكتشف لاحقًا استبدالها بلوحات رخيصة سرعان ما تفكّكت أو سُرقت. انتهت التحقيقات القضائية إلى الادعاء على عدد من كبار المقاولين إضافةً إلى المحافظ ورئيس المجلس البلدي السابقَين بجرائم اختلاس وهدر المال العام؛ غير أنّ القضية ما تزال عالقة أمام قاضي التحقيق وسط تساؤلات عن أسباب التأخّر في بتّها.
تلزيم صيانة وتزفيت الطرقات: أنفقت البلدية بين 2017 و2019 ما يقارب 125 مليار ليرة (نحو 83 مليون دولار آنذاك) على مشاريع تزفيت وصيانة في الأشرفية والطريق الجديدة والحمرا وصبرا وغيرها، نفّذها مجموعة من المتعهدين المتكرّرة أسماؤهم في الصفقات العامة. ورغم ضخامتها، لم تُحدث هذه المشاريع أثرًا ملموسًا؛ فالشوارع بقيت محفّرة وبناها التحتية متهاوية، ما أثار شبهات جدّية حول جدوى هذه النفقات وحقيقة كلفتها.
اتفاق النفايات مع برج حمود: وقّعت البلدية اتفاقًا مع بلدية برج حمود لمعالجة نفايات العاصمة بكلفة تقارب 6 ملايين دولار موزّعة على أربع دفعات، في وقت كان مطمر برج حمود مغلقًا ولا يستقبل نفايات فعليًّا. كشفت تحقيقات ديوان المحاسبة تلاعبًا بالمستندات الرسمية: وُجد محضران مختلفان للفترة الزمنيّة ذاتها، يتضمّن كلّ منهما أرقامًا متباينة للمدفوعات، ما يشير إلى احتمال تزوير لإخفاء التجاوزات من قبل سبعة موظفين وُجِّه إليهم الادعاء بتزوير محاضر تسلّم “شاحنات وهميّة”.
تؤكّد هذه الملفات، وغيرها، وجود نمط متكرّر من الهدر والفساد في تسيير مالية بلدية بيروت: مشاريع تنموية بلا ثمرة، عقود مُبالغ في أسعارها، وتلاعب بالقيود لإخفاء المخالفات، يرافقها شبهات رشاوى وعمولات. وعلى الرغم من إحالة بعض القضايا إلى القضاء، فإن المحاسبة الفعلية ما تزال غائبة. عشية الانتخابات البلدية الحالية، يرى كثيرون أنّ صناديق الاقتراع يجب أن تتحوّل إلى استفتاء على هذا المسار، وفرصة لمساءلة المسؤولين عن تبديد أموال العاصمة. فالمال العام بلا حوكمة يتحوّل إلى ريع، والريع بلا محاسبة يصبح فسادًا منهجيًّا، يتجلّى يوميًّا في بنية تحتية متداعية وخدمات متردّية. تقف بيروت اليوم أمام خيار واضح: انتخاب مجلس يعيد الاعتبار للمناقصة والتدقيق والقطع الحسابي، أو إعادة إنتاج الحلقة نفسها تحت شعار “التوافق”.
جاد هاني _ المدن
منذ تثبيت سعر الصرف في صيف 2023، أصبح ممكناً قياس ارتفاع الأسعار بالدولار بسهولة عبر احتساب ارتفاع مؤشّر الأسعار الاستهلاكية. فقد أصبح الارتفاع في الأسعار بالليرة، يوازي الارتفاع في الأسعار بالدولار، لأن سعر الصرف لم يعد متحرّكاً.
يمكن القول بسهولة إن ارتفاع الأسعار لم يعد مرتبطاً بانهيار سعر الصرف، وإن الارتفاع بالأسعار أصبح مرتبطاً بعوامل محليّة أيضاً لها علاقة بشكل الاقتصاد وبنيته.
ففي المدة ما بين تموز 2023، أي منذ العودة إلى التثبيت في السياسة النقدية، وما بين نهاية شباط 2025 ارتفعت الأسعار بنسبة 48%. فقد سجّل المؤشّر القياسي للأسعار الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي في نهاية تموز 2023 نحو 4858.95 نقطة، ثم سجّل في نهاية شباط 2025 نحو 7186.41 نقطة، أي بفرق يبلغ 2327.46 نقطة، أو ما يوازي 47.9%.
قد يقول البعض إن هذا التضخّم مستورد من الخارج بسبب ارتفاع الأسعار عالمياً، عازين الأمر إلى أن استهلاك لبنان بمعظمه مستورد، أي إن الارتفاع في الأسعار خارجياً ينعكس بشكل مباشر على الأسعار في لبنان.
إلا أن الأرقام لا تُبرر هذه النظرية. فعلى سبيل المثال، تضخّم الأسعار التراكمي في أميركا، بين تموز 2023 وشباط 2025، بلغ نحو 4.3% فقط، مقارنة بنسبة 48% في لبنان في المدة المماثلة.
ارتفعت أسعار التعليم في مدة الاستقرار النقدي بـ795%
ما يشير إلى أن التضخّم في لبنان أعلى من التضخّم العالمي، وبالتالي الجزء الأكبر منه غير مستورد بل هو محلّي المصدر. وهذا الأمر يتعلق بشكل نظام الاقتصاد السياسي في لبنان، الذي يُسهل عمليات الاحتكار ويمعن في التركّز الاحتكاري وتعزيز أرباح التجّار، وهو ما يُسهم في ارتفاع الأسعار بشكل غير مُبرر.
من ناحية أخرى، ثمة ما يلعب دوراً آخر في هذه الظاهرة، وهو الشكل الاقتصادي الذي رسى عليه لبنان بعد الأزمة، والذي يعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية من الخارج.
هي عملياً أموال تأتي مجاناً إلى لبنان، وهي ليست لقاء أي منتج وخدمة منتجة محلياً، بل هي لقاء عمل لبنانيين يعيشون في الخارج ويحوّلون الأموال إلى أسرهم في لبنان. هذه الطريقة في تدفّق الأموال إلى لبنان تُسهم في ارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع الطلب في الأسواق من دون أي زيادة في الإنتاج.
كما إن هذا النظام، غير المنتج، دائماً ما يعود إلى الشكل الريعي من الاقتصادات، وهو ما يُبرر ارتفاع أسعار الإيجارات وأسعار الأراضي والشقق السكنية مجدداً بعد الأزمة. كل هذه الأمور، بالإضافة إلى غياب أي عامل رقابي من قبل الدولة على الأسعار في لبنان، تُسهم في ارتفاع الأسعار بالدولار.
ومن الجدير بالذكر، أنه في مقابل ارتفاع هذه الأسعار لم تتلقَّ الأجور في لبنان أي زيادات قد تبرّر هذه الزيادة في الطلب الاستهلاكي، ما يعني أن الأجور بعد تصحيحها، جزئياً، خلال الأزمة عادت لتفقد قوّتها الشرائية، حتى بعد دولرتها أيضاً. أما بالنسبة إلى موظفي القطاع العام، فهم يخسرون بشكل مزدوج، إذ خسروا مع انهيار سعر الصرف، ويخسرون الآن مع تضخّم الأسعار بالدولار.
الملفت، هو أن المعدّل الأكبر للتضخّم في هذه المدة هو في قطاع التعليم، الذي شهد تضخماً في الأسعار بنسبة 795%. يلي ذلك الإيجارات الجديدة، التي ارتفعت بنسبة 50%. فعلى سبيل المثال، إذا كان معدّل أسعار الإيجارات في لبنان يبلغ نحو 400 دولار في ذلك الوقت، فقد أصبح المُعدّل الآن 600 دولار.
وقد ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 35% في هذه المدة أيضاً. كما إن أسعار الخدمات الصحية ارتفعت بنحو 24% في هذه المدة. في الواقع، إن أسعار السلع والخدمات الأساسية ارتفعت بشكل كبير بالدولار، وهذا ينعكس مباشرة على نوعية الحياة في البلد.
الأخبار
تُظهر دراسة حديثة صادرة عن دائرة الإحصاء المركزي أن 13 سلعة وخدمة شهدت التضخم الأكبر في لبنان خلال الفترة الممتدة بين العام 2019 و2025، مقارنةً بين سعرها بالليرة اللبنانية قبل الأزمة وفي الوقت الراهن.
الأرقام صادمة، ليس فقط بسبب حجم تضاعفها، بل لأنها تطال سلعًا أساسية مثل الغذاء والطبابة والنقل، أي أنها تمس الفقراء والمُعدمين الذين لا يمكنهم الاستغناء عنها، وفي الوقت نفسه يعانون من ضعف وضمور في المداخيل.
والأخطر أن هذه الأرقام مرشّحة للاستمرار في الارتفاع، نتيجة غياب الإجراءات الجذرية والحقيقية لحل الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها لبنان منذ نحو ست سنوات.
بداية، لا بد من تعداد الخدمات والسلع التي طالها التضخم المفرط (بالليرة اللبنانية)، وهي كالتالي:
• إيجارات السكن: 495%
• الاتصالات: 1,737%
• الماء والغاز والكهرباء والمحروقات الأخرى: 3,555%
• التعليم: 4,784%
• الصحة: 5,160%
• الاستجمام والتسلية والثقافة: 6,250%
• النقل: 11,124%
• سلع وخدمات متفرقة: 13,861%
• الأثاث والتجهيزات المنزلية وصيانة المنزل: 16,599%
• المشروبات الكحولية والتبغ والتنباك: 24,587%
• المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية: 30,025%
• الألبسة والأحذية: 30,737%
• المطاعم والفنادق: 37,237%
الخوري: التضخم نتيجة تصحيح عبثي وغياب أي تدخّل لضبط الاقتصاد
يفسّر عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا البروفسور بيار الخوري، لـ“ليبانون ديبايت”، أسباب هذا التضخم المفرط بأن “الليرة اللبنانية شهدت تدهورًا حادًا بعد العام 2018، حيث تراجع سعر الصرف من 1,500 ليرة للدولار إلى 89,500 ليرة في العام 2025، ما يعني انخفاضًا بنسبة متوسّطة بلغت 79.34% سنويًا”.
في المقابل، ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع، حيث بلغ متوسّط التضخّم السنوي، بحسب مؤشّر الأسعار الصادر عن وزارة الاقتصاد، 81.55%.
ويشير الخوري إلى أن “التكاليف المعيشية نمت بوتيرة تجاوزت الانخفاض في قيمة العملة”، معتبراً أن ما حصل في لبنان لم يكن تصحيحًا اقتصاديًا ناتجًا عن سياسات إصلاحية، بل تصحيحًا عبثيًا فرضته عوامل فقدان الثقة وغياب أي تدخّل فعّال لضبط الاقتصاد.
ويضيف: “في العادة، يؤدي انخفاض قيمة العملة إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات وتقليل الاستيراد، ما يحرّك الإنتاج المحلّي. إلّا أن ما حدث في لبنان كان مختلفًا، إذ ترافق انهيار العملة مع تقلّص الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 20 مليار دولار، بعدما كان يتجاوز 50 مليار دولار قبل عامٍ من الأزمة، ما يعكس انهيار النشاط الاقتصادي بدلًا من تحفيزه”.
ويتابع: “لم تُواكب الأسواق أي محاولات لدعم الإنتاج أو تعزيز الاستثمار، بل دخل الاقتصاد في ركود عميق، حيث فقدت الأُسر القدرة الشرائية وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، ما زاد من حدّة الأزمة”.
ويشرح الخوري أن “التضخم لم يلتهم فقط المنافع المُفترضة للتصحيح النقدي، بل تجاوزها، حيث ارتفعت الأسعار بوتيرة جعلت أي مكاسب من انخفاض العملة بلا قيمة حقيقية. فحتى لو تمكّن الاقتصاد من التكيّف جزئيًا مع تراجع سعر الصرف، فإن الغياب التام للإصلاحات النقدية والمالية أدّى إلى استمرار الاضطرابات الاقتصادية، مما جعل ارتفاع الأسعار أسرع من قدرة المواطنين على التأقلم”.
ويشير إلى أنه “بدلًا من أن يؤدي تراجع قيمة العملة إلى تحفيز الإنتاج، تسبب في شلل اقتصادي وانكماش في القطاعات الرئيسة كالتجارة والصناعة والخدمات الحديثة، التي لم تستطع تعويض الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية والمصرفية”.
ويرى الخوري أنه “إلى جانب العوامل الاقتصادية الداخلية، جاءت الحرب الأخيرة في العام 2024 لتُعمّق الأزمة بشكل أكبر، حيث أدّت إلى مزيد من الانكماش في النشاط الاقتصادي الذي كان ضعيفًا أصلًا بسبب سنوات من التراجع المستمر”، مشيرًا إلى أن “الاضطرابات الحربية نتيجة العدوان الإسرائيلي تسببت في تعطيل التجارة، وتآكل ما تبقى من ثقة المستثمرين، وزيادة الضغوط على المالية العامة، ما دفع معدّلات التضخم إلى مستويات أعلى، مما جعل أي محاولة لاستعادة الزخم الاقتصادي أكثر تعقيدًا وأقل فاعلية، بعد سنوات من غياب سياسات حكومية استباقية أو استلحاقية تضمن استقرار الأسواق وتعيد تحفيز الإنتاج والاستثمار”.
البواب: التضخم في لبنان بسبب استمرار الأزمة والتطورات العالمية
من جهته، يشدّد الخبير الاقتصادي الدكتور باسم البواب، لموقع “ليبانون ديبايت”، على أن “المقارنة للأسعار في لبنان يجب أن تكون بالدولار وليس بالليرة اللبنانية، لأن شراء السلع يتم بالليرة لكن القيمة الحقيقية تُحتسب بالدولار”.
ويؤكد أن “التضخم الحاصل في لبنان ليس نتيجة الأزمة الداخلية فقط، بل نتيجة تراجع القيمة الشرائية للدولار عالميًا، وصعود أسعار النفط، والحروب التي حصلت”.
ويُضيف: “هناك تضخم عالمي تجاوز في السنوات الأخيرة 30%، وما نراه في لبنان هو نتيجة عاملين: الأول استمرار الأزمة وغياب الحلول، والثاني هو الأزمات العالمية المتتالية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل بسبب حرب غزة، ما ساهم في رفع الأسعار أكثر”.
ويتابع: “الأسعار مرشحة للارتفاع، وهناك تضخم طبيعي سنوي عالمي يتراوح بين 3 و5%، لكن مع الحروب والرسوم التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على بعض الدول، ازداد التضخم العالمي. في لندن مثلًا، وصلت نسبة التضخم في السنوات الأخيرة إلى 11%”.
ويختم: “في لبنان، ارتفعت نسب التضخم بالدولار بنسبة 30%، أما بالليرة اللبنانية فقد ارتفعت بنسبة 60 مرة، أو ما يعادل 6,000%. وللتوضيح، فإن السلعة التي كان سعرها قبل الأزمة 1,000 ليرة، باتت تُباع اليوم بـ80,000 ليرة لبنانية”.
ليبانون ديبايت
أصدرت، أخيراً، إدارة الإحصاء المركزي، مؤشّر أسعار شهر كانون الثاني 2025. أظهرت الأرقام أن معدّلات التضخّم ما زالت مرتفعة رغم التباطؤ مقارنة مع السنوات الأخيرة.
فقد سجّل مؤشّر الأسعار ارتفاعاً في شهر كانون الثاني بنسبة 16% مقارنة مع الشهر نفسه من السنة الماضية، علماً أنه بالمقارنة مع شهر كانون الأول 2024، أي الشهر الذي سبق، سجّلت الأسعار ارتفاعاً بنسبة 1%.
يُقاس مؤشّر التضخّم بأكثر من طريقة. فعلى صعيد سنوي، يُحتسب التضخّم في كل شهر مع مثيله من السنة السابقة، وفي نهاية السنة يُؤخذ المعدّل العام لهذه المعدلات ليُحتسب معدّل التضخّم السنوي. لكن في لبنان بسبب تواصل ارتفاع الأسعار في حالة غليان غير طبيعية لعدّة سنوات بعد انهيار سعر النقد بشكل دراماتيكي وانهيار القطاع المصرفي، فإن القياس يوجب الاحتساب وفق المراحل.
المرحلة الأولى، كان الانهيار الكبير في سعر صرف الليرة، وهو ما أسهم في تضخّم الأسعار كثيراً خلال الفترة الأولى من الأزمة.
بعد ذلك، شهد سعر الصرف استقراراً نسبياً، إلا أن الأسعار واصلت الارتفاع بوتيرة أقل يمكن تفسيرها جزئياً بسبب التضخّم المستورد من الخارج (لبنان يستورد غالبية حاجاته الاستهلاكية من الخارج فتأتي الأسعار مع التضخّم الذي حصل في بلدان المنشأ) الذي بدأ يظهر في مطلع 2023.
وفي هذه الفترة واصلت الأسعار الارتفاع بمعدلات غير مبرّرة لا في ارتفاع سعر الصرف ولا في التضخّم المستورد، والسبب يعود إلى شارتفاع في نسب الأرباح التجارية وارتفاع في قيم الإيجارات، وهي عوامل لها آثار متشعّبة في الاقتصاد تظهر على شكل ارتفاع في الأسعار في نهاية الأمر.
فرغم استقرار سعر الصرف في منتصف 2023، بقيت الأسعار ترتفع، وهو ما يعني أن الأسعار كانت ترتفع بالدولار، وهذا الأمر، يأتي بعد دولرة الأجور في الاقتصاد، ما كانت له تداعيات كبيرة على الأسر.
المرحلة الثالثة، التي لا يزال الاقتصاد اللبناني يعيشها حتى الآن، كانت الحرب في أيلول الماضي، والتي أسهمت في ارتفاع الأسعار خلالها وبعدها بشكل كبير.
فبين شهر آب 2024 وكانون الثاني 2025، ارتفعت الأسعار بنسبة 8% بشكل عام.
أكثر ما تأثّر بالحرب كانت أسعار الغذاء، التي ارتفعت في هذه الفترة بنسبة 13%. كما ارتفعت الإيجارات بنسبة 8% خلال خمسة أشهر فقط، وهذا له تأثير كبير على الأسعار الأخرى.
من ناحية أخرى ارتفعت كلفة التعليم بنسبة 30% في هذه الفترة، وهو رقم ضخم مع التشديد على أن هذه الأسعار ترتفع بالدولار لأن سعر الصرف شهد استقراراً في هذه الفترة.






















