
مقالات إيران تطوّر معادلة الردع: لا اكتفاء بالدفاع بعد اليوم
09/06/202606:10:36
انتقلت إيران في جولة التصعيد الأخيرة مع إسرائيل من موقع الدفاع إلى فرض معادلات ردع هجومية. غير أن ذلك لا يعني أن إسرائيل ستسلّم بهذه المعادلة أو أن إيران أنجزت ما تريد وانتهى الأمر؛ فالصراع لا يزال مفتوحاً، وكلّ طرف يسعى فيه جاهداً إلى تعقيد مهمة الآخر.
رغم قِصرها وضيق دائرة أهدافها، أرست جولة التصعيد الأخيرة بين إيران وإسرائيل، بمبادرة من الأولى، معادلة ميدانية وسياسية جديدة، فاتحةً الباب أمام ترتيبات قد تُفرض كأمر واقع. وإذ أعادت هذه الجولة رسم بعض ملامح الصراع بين طهران وتل أبيب، فهي ألقت بظلالها أيضاً على العلاقة بين الأخيرة وبين واشنطن، حيث تجلّت، بصورة أكبر ممّا كان عليه الأمر في السابق، ملامح الحذر الأميركي إزاء الخيارات العسكرية المباشرة ضدّ إيران. وفي المقابل، بدا أن طهران نجحت في تثبيت حضورها وتأثيرها في الساحة اللبنانية، بما سيسهم في الحؤول دون الاستفراد الإسرائيلي بالمقاومة وبيئتها هناك، وفرض معادلات تصبّ في مصلحتهما. كما إن ذلك سيترك تداعياته على المسارات السياسية والتفاوضية الخاصة بلبنان، والتي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة اللبنانية تأمل في بلورتها بعيداً عن إيران والتسوية التي تتكوّن بينها وبين الأميركيين.
في هذا السياق، يمكن التوقّف عند الملاحظات الآتية:
– أولاً، شكّلت المبادرة الإيرانية بالردّ المباشر على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مفاجأة لإسرائيل والولايات المتحدة والشركاء اللبنانيين؛ إذ لو قدّرت تل أبيب مسبقاً أن طهران ستتدخّل مباشرة في المواجهة، لَما أقدمت على هذه الخطوة أساساً. وأمّا وقد وقعت المفاجأة، فالنتيجة المباشرة لها تمثّلت في إرساء معادلات ردع أكثر صلابة وقوّة – تفوق بكثير تلك التي حاولت إسرائيل ترسيخها تحت عنوان «الضاحية مقابل المستوطنات» -، عنوانها أن استهداف الضاحية سيقابله ردّ صاروخي إيراني مباشر على إسرائيل. وتلك معادلة تبدو مرشّحة للتطوّر وفق متغيّرات المواجهة والظروف المحيطة، بما قد يتجاوز الضاحية نفسها ليشمل مناطق أخرى، وإن كان من المبكر الآن استشراف مآلاتها النهائية.
– ثانياً، رغم الدوافع المشتركة لكلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة اللبنانية للعمل لاحقاً على احتواء تأثيرات هذا التحوّل والحدّ من تداعياته، فإن العامل الإيراني سيبقى مرافقاً لأيّ مسعى تفاوضي من قِبل الثلاثي المذكور. إذ بمعزل عمّا يُقال، وكيف يجري تفسيره وتحويره، باتت المقاومة اللبنانية تمتلك، استناداً إلى شريك فاعل ومؤثر وقادر على اتّخاذ قرارات هجومية ابتدائية ضدّ الأعداء المشتركين، هامشاً أوسع لرفض الضغوط والإملاءات الآن.
– أمّا ثالثاً، وعلى صعيد الموقف الإسرائيلي، فقد تجلّى عملياً في ردّة فعل دفاعية بحتة؛ إذ انصبّ الجهد الإسرائيلي، منذ اللحظة الأولى، على تخفيف وطأة المعادلة التي فرضتها الضربة الإيرانية، لا على تحويل التهديد إلى فرصة. ذلك أن التهديد قد تَشكّل بالفعل، وكل ما كان مطلوباً من إسرائيل هو التخفيف من حدّته وتداعياته. لكن هل تَحقّق لها هذا الأمر؟ يبدو أن الجواب يحوم حوله كثير من الشك، وهو ما لا يستند إلى قراءات للموقف الإسرائيلي، بل إلى اعترافات صدرت عن عدد من الخبراء الإسرائيليين، الذين أقرّ الكثيرون منهم بأن المعادلة الجديدة قد ترسّخت على الأرض، وأنه يصعب جداً ردّها إلى الوراء.
– رابعاً، وإلى جانب ما تقدّم، مثّلت المبادرة الإيرانية تأكيداً إضافياً لفشل الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران. وهو فشل مزدوج، يتّصل، من جهة، بعدم قدرة مطلقي تلك الحرب، خلافاً لِما قيل، على تدمير القدرات الإيرانية وإعطابها أو جعل الوصول إليها واستخدامها متعذّراً؛ ومن جهة ثانية، بتعاظم الحافزية الإيرانية للمبادرة إلى استخدام القوة العسكرية، بصورة أعلى ممّا كان الأمر عليه قبل الحرب.
– خامساً، إذا كانت إسرائيل غيّرت عملياً من استراتيجيتها وعقيدتها الأمنية في اتجاه فرض «أمنها» على الآخرين بالقوة العسكرية المباشرة، بدلاً من الركون إلى ردعهم أو نزع التزاماتهم منهم، تبدو إيران، بدورها، وقد غيّرت هي أيضاً عقيدتها الأمنية. إذ باتت معنيّة وراغبة في فرض إرادتها عبر استخدام القوة العسكرية والتهديد بها، ليس كأداة دفاعية فحسب، بل لفرض المصالح بصورة استباقية. وهذا ما يختبره الإقليم، وليس إسرائيل فقط، الآن، وسيختبره أكثر فأكثر في السنوات المقبلة.
– سادساً، على المقلب الأميركي، جاء موقف واشنطن متذبذباً بين مصالح بدت متعارضة. فمن جهة، هي كانت معنيّة بمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة قد تتدحرج إلى توريطها، بما يتعارض مع مصلحتها في التوصّل إلى اتفاق مع طهران. ومن جهة أخرى، بدت مهتمّة بعدم السماح بظهور تل أبيب في موقع العاجز عن الردّ، لما لذلك من تداعيات تتجاوز الساحة الإسرائيلية إلى صورة الولايات المتحدة نفسها ومكانتها الإقليمية. وهذا الحرص فحسب، هو ما أدّى تلقائياً إلى السماح لإسرائيل بالردّ، ولكن ضمن سقوف محدّدة لا تؤثر سلباً على التوجّهات الأميركية للتسوية، ولا تدفع الأمور نحو توسيع التصعيد إلى الحدّ الذي يفرض على الولايات المتحدة التورّط عسكرياً.
– سابعاً، وبعدما أفضت جولة التصعيد هذه إلى معادلة ردع جديدة فرضت نفسها على إسرائيل كأمر واقع – حتى وإن امتنعت تل أبيب عن الاعتراف بذلك -، فإن تلك المعادلة ستبقى حاضرة في أيّ حسابات إسرائيلية مقبلة. وهذا من شأنه أن يلجم اندفاعة تل أبيب نحو مبادرات عدائية كانت متاحة لها حتى الأمس، وأن يضيّق الهامش الواسع من القدرة على الضرب والمناورة الذي ظلّ إلى ما قبل الحرب الأخيرة مفتوحاً لها.
غير أن ذلك لا يعني أن إسرائيل ستسلّم بهذه المعادلة أو أن إيران أنجزت ما تريد وانتهى الأمر؛ فالصراع لا يزال مفتوحاً، وكلّ طرف يسعى فيه جاهداً إلى تعقيد مهمة الآخر في تحقيقه أهدافه. وبينما ستعمل طهران على ترسيخ المعادلة التي أفرزتها المواجهة الأخيرة، وتعزيزها بما يخدمها في صراعها مع العدو، ويخدم شركاءها في لبنان، ستعمل تل أبيب، من جهتها، ومع شركائها أيضاً، على الحدّ من مفاعيل المعادلة الجديدة قدر الإمكان، سواءً على المستوى الميداني أو في سياق مراحل ما بعد الاتفاق ووقف إطلاق النار الشامل في الإقليم، أو حتى على مجريات العملية التفاوضية مع السلطة اللبنانية.
يحيى دبوق- صحيفة “الأخبار”
جاري تحميل الخبر التالي...