مقالات

الجنوب ينادي: هل من ناصر ينصرني؟

تتفتّح وردة حمراء من تحت ركام بلدة الضهيرة التي لم يسلم فيها بيتٌ أو مدرسة أو شارع أو مسجد من شرّ العدو الإسرائيلي. وردة وحيدة كأنها تحاول تذكيرنا بأن في تشرين الأول يُزهر ربيعٌ ثانٍ.

في الضهيرة، كما في سائر القرى والبلدات الجنوبية القريبة من فلسطين المحتلة، حيث لملم الناس ما تبقى من أرزاقهم من تحت بيوتهم المدمّرة، حاول جيش العدو الإسرائيلي تدمير كل شيء ومحو القرى من الخريطة.

لا حاجة إلى كثير من البحث والتدقيق في آثار الدمار للوصول إلى تحديد منهجية التدمير الشامل التي اعتمدها العدو لإبادة كل أشكال الحياة هناك.

هناك، حيث صبّت الطائرات أطناناً من جحيم الحديد والنار على بيوت الناس، شبابٌ أبَوا أن يتراجعوا. شبابٌ تمسّكوا بالأرض لتبتلعهم بفعل القصف وتختلط أجسادهم الطاهرة من تحتها بجذور الأشجار وعيون المياه وما تبقى من قبور أجدادهم.

في الناقورة، دمّر العدو كل شيء لكن بقيت أعمدة المدرسة وبعض جدرانها. بين الأشجار المقطوعة والطرقات التي جرفتها دبابات العدو والبيوت المهدّمة، قام مجلس الجنوب بترميم المدرسة.

وقامت مديرة المدرسة بتأمين «فان» لينقل أطفال الناقورة من القرى والبلدات التي لجأت إليها عائلاتهم إلى المدرسة المرمّمة وسط منازلهم المدمّرة.

ويحدّق بعضهم من شبّاك الصف في الخراب خلال حصّة الرياضيات أو صفّ التاريخ أو العلوم الطبيعية. يغضب الأستاذ من سلوكهم ويصرخ أحياناً، ولكنه لا يرهبهم وهم أصلاً لا يخشون غضبه لأنهم يعلمون أنه مثلهم، فقدَ كل شيء لكنه بقي على قيد الحياة.

ملامح الحزن تبدو بوضوح على وجوه أطفال الناقورة. الموت والدمار ملأ دنيا عالمهم الصغير. موت الأحبّة والأقارب والمعارف قتلاً.

موت الزرع والأشجار والطبيعة وكل أشكال الحياة في قريتهم البحرية الجميلة بينما تسعى ليال (مديرة المدرسة) إلى إعادة ابتسامات إلى وجوههم وإلى عودة الاطمئنان إلى نفوسهم.

خلال جولة مع الزميلة آمال خليل على القرى الحدودية، التقينا شبّاناً حاولوا إعادة الحياة إلى بلداتهم، فتحوا الطرقات، أزالوا بعض الركام، وأقاموا دكاناً صغيراً للمواد الغذائية في بقايا مبنى مدمر.

وبدا طعم كل ما اشتريناه من هذا الدكان الصغير اليتيم في البلدة المنكوبة أطيب من موائد أفخم المطاعم.

ونسأل: ماذا لو زار آلاف الناس من بيروت والضاحية وجبل لبنان وحتى طرابلس وزحلة وعكار وجونية والبترون الدكاكين الصغيرة في القرى الجنوبية المدمّرة واشترى كل منهم علبة محارم أو قنينة عصير أو علبة سردين؟ ماذا لو خصّص كل عامل ومزارع ومهندس وطبيب ومعلّم وناشط يوماً واحداً أو أقلّ في الأسبوع لزيارة الجنوب ومساعدة الناس في إعادة إعمار ما دمّره العدو الإسرائيلي؟ ماذا لو تابعت وسائل الإعلام تفاصيل البقاء على قيد الحياة في الجنوب؟

الجنوب ينادي… مَن ينادي؟

أهلنا في الجنوب لا يحتاجون إلى عطف أو استعطاف أحد وهم لا يطلبون شيئاً من أحد. رؤوسهم مرفوعة رغم الألم والدمار ورغم إهمال الدولة. أمّا أن يقوم اللبنانيون من سائر المناطق بزيارتهم في هذه الظروف الصعبة، فهو للحفاظ على ما تبقى من قيَم الجمهورية في هذا البلد المثقل بالأحقاد الطائفية والمذهبية والسياسية والمناطقية. أليست وحدة الشعب في مواجهة الاعتداءات الخارجية والاحتلال والتهجير والدمار الشامل من أسمى قيَم الجمهورية؟

في بلدة شمع، حيث دمّر العدو الإسرائيلي مقام النبي شمعون الصفا (بطرس)، يعمل الأهالي على إعادة بناء المئذنة ويبحثون عن بقايا قبور أقاربهم المبعثرة في كل مكان بسبب القصف الإسرائيلي المدمّر. يُقال إن النبي شمعون الصفا هو بطرس (أحد تلاميذ السيد المسيح ووصيّه)، كما يُقال إن شمعون الصفا هو جدّ الإمام المهدي (من أمه). دُفن النبي هنا منذ مئات السنين، وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير فُتح القبر بسبب القصف، لتلتحق به ثلّة من المجاهدين قاتلوا الغزاة حتى الشهادة.

وكان الاتصال بين هؤلاء المجاهدين وقيادتهم قد انقطع وبقوا وحدهم صامدين ولم يتراجعوا. عادوا إلى الجذور وتحوّلوا من مقاتلين ينفذون أوامر قيادتهم العسكرية والروحية والسياسية إلى قادة الميدان. نفدت الذخيرة والطعام والشراب منهم، لكنهم لم يتراجعوا أو يستسلموا أو يتردّدوا.

وضعهم العدو أمام امتحان لم يكن صعباً بالنسبة إلى كل منهم رغم أنهم أدركوا أنّ مكافأة النجاح تعني استشهادهم. هنيئاً لهم انتصار الدم على السيف. هنيئاً لهم الشهادة.

أحرق العدو الإسرائيلي أغصان الأشجار وقطعها، ولكنها لم تمت، بل أزهرت جذورها وخرجت إلى النور. وفي الوادي المطلّ على مدينة صور يمكن أن يُسمع صوت السيد القائد الشهيد حسن نصرالله وهو يصرخ: «نحن شعب ينادي، نحن شعب ينادي، هيهات منا الذلة».

عمر نشابة-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى