كتبت صحيفة “الجمهورية”: أربع سنوات على رمي البلد في الجحيم، وما زال قادة السياسات التدميرية يتلاعبون بالبلاد والعباد متسلحين بسذاجة من جعلوا من أنفسهم أكياس رمل في متاريسهم. اربع سنوات وما زال اللبنانيون يراهنون عل صحوة ضمائر ميتة، فيما يهجر شبابهم ليحل مكانهم ملايين النازحين واللاجئين وسط عجز سلطوي محلي عن مواجهة أي مشكلة، وتواطؤ دولي على محاصرة لبنان وتذويب هويته وتحوير مستقبله بعدما تحول لبنان الى ملاذ آمن للمجرمين والمطلوبين الى العدالة بمذكرات حمر دولية.

ساعة يأتي الاميركي، وساعة يأتي الايراني، ثم يتبعه الفرنسي، وما ان يغادر حتى يطلّ القطري. وبعد إفشال كل زيارة وكل “مسعى” خارجي، ننتظر الزيارة التالية والاجتماع التالي. والمفارقة العجيبة انّ العطل داخلي اولاً وأخيراً، لكن الحل لن يكون الا خارجياً لأن القوى السياسية اللبنانية ما زالت تتناتَش المكاسب، وتتقاتل على المناصب، وكل فريق يريد رئيساً للجمهورية بمواصفات “اكسترا” معلنة، وبأهداف مقنعة لا تؤمّن له الاّ مصالحه ولو على حساب البلد وعذاب الناس.

لم يأخذ الموفد الرئاسي الفرنسي والخبير الكبير في عالم الدبلوماسية جان ايف لودريان من القوى السياسية اللبنانية خلال جولته الاسبوع الماضي لا حَقاً ولا باطلاً. كلّ غنّى على ليلاه. ضرب أخماساً بأسداس واستعوز بالشياطين وغادر واعداً بالعودة مرة اخرى، اذا ما حصل على شيء جديد من اللجنة الخماسية الدولية “المهتمة” بإجراء الاستحقاق الرئاسي اللبناني في اسرع وقت.

وبالتالي، انتقلت العيون الى نيويورك حيث من المقرر ان يجتمع ممثلو اللجنة الخماسية على هامش الجمعية العمومية للامم المتحدة الثلاثاء المقبل، بحثاً عن خرق مفقود في الجدار اللبناني المسلح.

الاستحقاق: حركة بلا بركة

غير أن مرجعاً دبلوماسياً أكد لـ”الجمهورية” ان اللجنة الخماسية تعتبر بمثابة فريق واحد، وهي بالتالي يد واحدة لا تصفّق، وما ينقصها هو الطرف الاخر أي ايران، ليكتمل الحوار الحقيقي والانطلاق نحو تسوية حقيقية للملف الرئاسي اللبناني كمقدمة للسير في الاصلاحات الحيوية الضرورية وعكس مسار الانهيار المتواصل.

ويعرب المرجع عن اعتقاده ان الاوان لم يحن بعد بالنسبة الى الاجندة الاميركية بالنسبة الى ما يتعلق بالشرق الاوسط وخاصة بلبنان، لأن تبادل الخدمات مع الادارة الحالية في واشنطن سيَتسارع مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية، خاصة أن طهران تفضّل فوز الديموقراطيين على الجمهوريين وبالتالي ستكون أكثر استعداداً لتبادل الخدمات والتنازلات مع واشنطن قبل الانتخابات خلال المرحلة المقبلة.

وفي السياق، لم تجزم مصادر الخارجية الفرنسية على اي مستوى يمكن ان يعقد اجتماع الخماسية، على مستوى وزراء الخارجية ام على مستوى كبار الموظفين المكلفين بهذه المهمة وفي أي موعد. تزامناً، بقي الوسط السياسي في لبنان ينتظر المعلومات التي يمكن ان يجمعها وفد لبنان الى اجتماعات الجمعية العمومية فور عودة النشاط الديبلوماسي الى أروقة الامم المتحدة اليوم.

ما بين البابا وماكرون

على خط مواز تترقّب الأنظار ما يمكن ان يؤدي اليه الاجتماع الذي سيجمع البابا فرنسيس مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في المؤتمر المقرر عقده في مارسيليا جنوب فرنسا والمخصّص للبحث حول “الهجرة واللجوء على ضفتيّ البحر الأبيض المتوسّط”، والذي يشارك فيه النائب البطريركي العام على نيابة صربا المارونية ممثلاً الكنيسة المارونية والذي يحمل الى المؤتمر ورقة عمل تعنى بملف لبنان كاملاً بالإضافة الى أوراق خاصة بملف النازحين السوريين والترددات السلبية التي تركها على الوضع في لبنان.

الحوار المفقود

ويستغرب مصدر دبلوماسي عربي في بيروت، عبر “الجمهورية”، لماذا يفوّت السياسيون اللبنانيون على بلادهم الفرصة تلو الفرصة في انتخاب رئيس للجمهورية، وكيف يفوّتون فرَص الحوار بينهم ويتمترسون خلف مواقف تعقّد الازمة ولا تقود الى أي مكان. انّ الفراغ مستمر منذ اكثر من عشرة اشهر، سببه ان لا أحد من الافرقاء السياسيين يملك او يستطيع جمع أغلبية نيابية مطلوبة لإيصال مرشحه الى سدة الرئاسة، وبالتالي من المنطق، ومصلحة البلد تتطلب ذلك، ان يجري البحث عن سبل اخرى لحل هذه الازمة.

ويضيف المصدر: الحوار قد يكون سبيلاً مُجدياً للبحث عن حل. ورفض الحوار خطأ كبير. كيف يتفاوض لبنان على ترسيم حدوده البحرية وينجزه، ويتفاوض الآن على ترسيم حدوده البرية مع العدو، ويمتنع السياسيون عن الحوار مع بعضهم البعض لانتخاب رئيس لهم؟

ورأى انّ قاعدة الحوار المطروحة حدّدت مدته سبعة ايام كحد أقصى، ولو تم هذا الحوار قبل اشهر، فمن الممكن أن يُنتج تسوية او كان الفريق الرافض للحوار قد أكد صوابية قناعته بأننا “جَرّبنا الحوار وتبين عدم جدواه”.

ميقاتي وبو حبيب في نيويورك

وسط هذا المشهد السياسي القاتم، يشارك رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب في إفتتاح الدورة الـ 78 للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك والنشاطات التي تقام على هامشها هذا الاسبوع. غير انه لا يتوقع ان تأتي الرحلة بأي نتيجة من شأنها ان تساهم في حل أي من الازمات المتراكمة في لبنان.

صندوق النقد: ضغوط مشبوهة

وتعليقاً على التأنيب الذي وجّهه صندوق النقد الدولي الى الطبقة السياسية اللبنانية لعدم تطبيقها ايّ من الاصلاحات المطلوبة للخروج من الازمة الاقتصادية – المالية التي تعصف بلبنان، رَدّ مرجع اقتصادي عبر “الجمهورية” بالنقاط التالية:

-1 في مسألة التأنيب، انّ الصندوق على حق، ولكن هذا الكلام لا يرفّ للسياسيين جفن، ولا يمكن ترجمته في مكان.

-2 في مسألة شطب الودائع، فإنّ ممثلي الصندوق يستحقون التأنيب، لأنهم يضغطون لمخالفة الدستور اللبناني لا بل نسفه من خلال نسف النظام المالي اللبناني الحر والسطو على الملكية الخاصة التي كفلها الدستور. وهم بذلك في محاولة لإنهاض الدولة يعفون كل من هدر وسرق واستباح القوانين في صرف اموال الناس من الافلات، وحمّل المودعين وحدهم دفع ثمن كل الارتكابات بدون أي ذنب.

-3 في مسألة الكابيتول كونترول، يستحق ممثلو الصندوق ايضاً التأنيب على قصر نظرهم، اذ انّ قانون الكابيتال كونترول كان يجب ان يُسن في الايام الاولى لبداية التمنع عن الدفع جهلاً، وليس اليوم بعدما تم تهريب مليارات الدولارات الى الخارج.

-4 انّ شطب الودائع معطوفاً على الكابيتول كونترول هو جريمة موصوفة ليس في حق المودعين فقط، وانما في حق القطاع المالي والمصرفي لأن الثقة المفقودة اليوم ستنعدم الى عقود من الزمن. وبالتالي، لن يدخل الى لبنان دولار واحد لا للاستثمار ولا للايداع في مصرف، ولن تعود الحركة الاقتصادية الى طبيعتها.

-5 في الاساس، لم تعد هناك حاجة للخضوع الى اتفاق قاتل مع صندوق النقل الدولي الذي سيقرض الدولة اللبنانية ثلاثة مليارات دولار على اربع سنوات، فيما ان القائمين على السلطة بعد الانهيار هَدروا 51 مليار دولار، بحسب أمين عام جمعية المصارف في لبنان، خلال ثلاث سنوات تحت عنوان دعم السلع، وبموجب تعاميم البنك المركزي بردّ القروض على سعر 1500 للدولار، من دون أن يرف لهم جفن، او يدخل أحدهم السجن.

وعود بلا تنفيذ

في المقابل، اشار المرجع الى ان كل القوى السياسية التي شاركت خلال السنوات العشر الماضية في هدر الاموال، تعد المودعين بأنها لن تسمح بشطب جنى اعمارهم، ولكن في الواقع هذه القوى لم تتخذ أي اجراء فعلي يؤكد ذلك، وانما بالعكس وقفت تَتفرّج على بدع التعاميم والهيركات غير القانوني وغير الشرعي للسحوبات الخجولة جداً من المصارف، وهناك من يؤكد انها ستبقى شاهدة زور حتى تذويب آخر دولار من اموال المودعين ولو طال الامر عشرين سنة، خاصة ان المودعين مخدّرون ولا حياة لهم.

تحذير قبرصي

وفيما تكتفي السلطات اللبنانية بالثرثرة وتعجز عن اتخاذ خطوات حاسمة في ملف اغراق لبنان بالنازحين، تلقّت جرعة دعم من قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، التي طلبت من التكتل مراجعة وضع سوريا، إن كانت ما زالت غير آمنة ولا يمكن إعادة طالبي اللجوء إليها.

وأتت هذه الخطوة في أعقاب موجة من الهجمات وتَزايد المشاعر المعادية للمهاجرين في الجزيرة في الأسابيع الأخيرة. واعلن وزير الداخلية القبرصي كونستانتينوس يوانو أنه سيحاول إقناع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بإنهاء وضع سوريا كدولة غير آمنة لا يمكن إعادة اللاجئين إليها، كما وجّه رسالة إلى المفوضية الأوروبية أثار فيها الحاجة الملحّة لمساعدة لبنان الذي نزحَ إليه مليونا سوري، مشيراً الى أن “هناك زيادة في عدد السوريين الذين ينتقلون إلى لبنان، ولبنان حاجز. إذا انهار لبنان، فستواجه أوروبا بأكملها مشكلة”.

ترميم العلاقة بين مولوي وعثمان

على صعيد آخر، توقعت مصادر عليمة ان تنطلق اليوم المساعي التي تبذلها دار الفتوى لترتيب العلاقة بين وزير الداخلية القاضي بسام مولوي والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عثمان، فيستقبل مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الوزير مولوي قبل الظهر للتداول في الوضع العام في لبنان وما ادى الى توتر العلاقات مع اللواء عثمان وما يمكن القيام به لتطويق ذيولها، على ان يلتقي دريان اللواء عثمان بعد الظهر لاستكمال البحث في هذا الموضوع.

وكانت قد أُجريت مجموعة اتصالات على أعلى المستويات الوزارية والروحية والسياسية والحزبية. وكشفت مراجع مطلعة انّ الحديث عن توقيع وزير الداخلية على الإذن الخاص بملاحقة اللواء عثمان “في جميع القضايا المرفوعة ضدّه في القضاء العسكري والقضاء العدلي” ليس دقيقاً، وأن ما ذكر كان من باب التهويل وان لا إذن بهذا المعنى.

مؤتمر مصرفي قريباً في بيروت

مالياً، علمت “الجمهورية” ان اتحاد المصارف العربية سيعلن مساندة المصرف المركزي اللبناني وقيادته الجديدة، عبر عقد مؤتمر مصرفي قريباً في بيروت، سيبدأ التحضير له، ويشارك فيه محافظو المصارف المركزية العربية وصندوق النقد العربي.

وجاءت مشاركة حاكم المصرف المركزي بالانابة وسيم منصوري في اجتماعات صندوق النقد العربي المنعقد حالياً في الجزائر، لتصبّ في اطار الاهتمام المصرفي العربي بلبنان، والثقة بمنصوري حيث تمّ تخصيص ثلاث اطلالات – كلمات لحاكم المصرف اللبناني بالإنابة:

الأولى حول تعزيز رَقمنة الخدمات المالية والحفاظ على الاستقرار المالي.

الثانية حول اولويات مجموعة العمل المالي وتحديات تطبيق معايير المجموعة في المنطقة العربية.

الثالثة حول تداخل وعلاقة السياستين المالية والنقدية.

ويشكّل مضمون الكلمات الثلاث مادة دسمة للاجتماع في ظل التحديات التي يواجهها العالم، وتحديداً العربي منه، بشأن الاستقرار النقدي والسياسات المالية القائمة.

الوكالة الوطنية للإعلام