لم تعد التطورات في الشرق الأوسط تُقرأ من خلال المواجهات العسكرية وحدها، بل باتت جزءاً من مشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية والتوازنات الإقليمية، وسط تساؤلات متزايدة عن الاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
فالتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، والانخراط “الإسرائيلي” في المواجهة، وما يرافق ذلك من تطورات على الجبهتين اللبنانية واليمنية، يعكس حجم الترابط بين الملفات الإقليمية.
وأيّ تحوّل كبير في إحدى هذه الساحات قد يترك انعكاساته على الساحات الأخرى، وإنْ بدرجات متفاوتة.
لكنّ السؤال الأهمّ لا يتعلق بموعد المواجهة المقبلة بقدر ما يتعلق بقدرة الأطراف المعنية على ضبط مسار التصعيد، ومنع تحوّل الحسابات العسكرية المحدودة إلى تداعيات يصعب احتواؤها.
لبنان في قلب المشهد الإقليمي
بالنسبة إلى لبنان، لا يمكن فصل التطورات الإقليمية عن واقعه الداخلي. فالبلاد التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وتواجه تداعيات المواجهات العسكرية والاعتداءات “الإسرائيلية”، تجد نفسها أمام تحديات تتجاوز قدرتها على التأثير المباشر في مسار الأحداث.
وأيّ اتساع إضافي للمواجهات قد ينعكس على الاستقرار الداخلي وحركة الأسواق والاستثمار والخدمات الأساسية، في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار لاستعادة حياتهم الطبيعية.
غير أنّ هذا الواقع لا يعني بالضرورة أنّ لبنان مقبل على مرحلة أكثر خطورة، بل يفرض قراءة متأنية للتطورات، بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة والسيناريوات التي تتعامل مع الحرب باعتبارها أمراً محسوماً.
الاقتصاد يدخل المعادلة
على المستوى الإقليمي، لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تجارية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في حسابات الصراع.
فمضيق هرمز، الذي يشكّل شرياناً أساسياً لإمدادات الطاقة، وباب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالملاحة الدولية، يمثلان نقطتين بالغتي الأهمية للاقتصاد العالمي.
وأيّ اضطراب إضافي في حركة الملاحة عبرهما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، بما ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والمواد الغذائية، ولا سيما في الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: فقد تبقى المواجهة العسكرية محصورة جغرافياً، بينما تمتدّ آثارها الاقتصادية إلى دول بعيدة عن ساحات القتال.
بين الخيارات العسكرية
والفرص السياسية…
رغم حدة التوتر، لا تزال الاتصالات الدبلوماسية قائمة، وهو ما يشير إلى أنّ الخيارات السياسية لم تُستنفد بعد.
فالولايات المتحدة وإيران تدركان حجم الكلفة المترتبة على استمرار المواجهة، فيما تسعى دول إقليمية إلى تجنّب اتساع الصراع وانعكاساته على أمنها واقتصادها.
ومع ذلك، فإنّ استمرار الوساطات لا يشكّل ضمانة نهائية لوقف التصعيد، تماماً كما أنّ التحركات العسكرية لا تعني بالضرورة اتخاذ قرار بحرب أوسع.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى المنطقة أمام مرحلة تتطلب مراقبة القرارات الفعلية أكثر من التصريحات، وقراءة المصالح الاستراتيجية بدل الاكتفاء بالتوقعات.
في المحصلة، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم ما إذا كان الشرق الأوسط قادراً على تحمّل مواجهة جديدة فحسب، بل ما إذا كانت الأطراف المؤثرة مستعدة لتحمّل نتائجها السياسية والاقتصادية والإنسانية.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من التوقعات القاتمة، بقدر ما تحتاج إلى قرارات تمنع توسيع دائرة الأزمات، وتمنح شعوبها فرصة لاستعادة الاستقرار.
وربما تكون المعركة الأصعب في المرحلة المقبلة، ليست في القدرة على توسيع الحرب، بل في القدرة على منعها من ابتلاع ما تبقّى من فرص السلام والاستقرار…
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




