مأزق الغرب بين الاعتراف بالهزيمة والعودة إلى الحرب
يتابع العالم أجمع حالة الاختناق في عنق الزجاجة بين واشنطن وطهران، اللتين تخوضان صراعاً لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية بتداعياته، وبشكل مشابه وأكبر من أزمة الصواريخ 1961 في كوبا. لكن الفارق الجوهري أن من يتحكم في واشنطن ليس عقل جون كينيدي، بل عقل رجل متهور جمع في مكونات شخصيته ثلاثة أباطرة رومان (نيرون وكاليغولا وهوميدوس) دفعة واحدة، وربما تفوّق على الثلاثة. وآخر ما تسرب عبر تغريدة تاكر كارلسون هو اتخاذه قراراً باستخدام السلاح النووي ضد إيران، بعد أن سُدّت بوجهه سبل صورة انتصار تتيح له تغيير معادلة الهزيمة الأميركية الداخلية، وهو الذي لم يعتد الهزيمة في حياته. فكيف إذا كان مصير العالم، وغرب آسيا خاصة، يتوقف على نتائج الحرب المستمرة بأشكالها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية؟
عندما يصبح السلاح النووي خياراً
لم يعد التهديد النووي مجرد فرضية نظرية في الخطاب السياسي، بل تحول إلى احتمال عملي يلوح في الأفق مع كل تصعيد جديد. فاستخدام السلاح النووي ضد إيران، كما تسرّب عبر تغريدة تاكر كارلسون، ليس مجرد تهديد انتخابي، بل هو تعبير عن مأزق استراتيجي حقيقي، فالرئيس الأميركي لا يستطيع قبول الهزيمة، ولا يستطيع تحقيق النصر، فيلجأ إلى الخيار الأكثر تدميراً، رغم ما يشكله ذلك من شرعنة فتح باب استخدام السلاح النووي لإيران وروسيا وكوريا الشمالية والصين.
وهذا التهديد لا يقتصر على إيران وحدها، بل يمتد إلى المنطقة بأكملها. فـ”إسرائيل” والدول السبع التي وُضعت على خارطة الاستهداف الإيرانية، ستكون في مرمى النيران، ناهيك عن الكارثة البيئية والاقتصادية التي ستغرق العالم بأسره. ومع ذلك، فإن واقع الحال يشي بأن النتائج ستكون كارثية على الجميع، وأن انهيار نظام البترودولار سيكون أسرع من كل الدراسات، ما يدفع نحو تغيير النظام المالي العالمي قبل أن تستطيع أي قوة احتواء التداعيات.
بين الأورومركزية والانتقال نحو الشرق
أصبح من الواضح أن الحرب الدائرة في غرب آسيا هي حرب مفصلية. وهي المرة الأولى التي يشهد فيها الغرب بأكمله تهديداً مفصلياً بانحساره نحو الدرجة الثانية كقطب عالمي أوحد بالتداول، خلال قرنين ونيف من اللحظة التي وطأت فيها أقدام نابليون مصر عام 1798.
والصدام الحاصل الآن هو بين العالم الأوراسي والغرب، الذي ابتدأ من الحرب في أوكرانيا 2022، مروراً بحرب غزة وجنوب لبنان وإيران، ليحط رحاله أخيراً في اليمن. هذه الحروب الأربع الأخيرة هي في جغرافية غرب آسيا التي تعتبر قلب العالم القديم، فاتخذت درجة هائلة من العنف الغربي، ممثلاً بالولايات المتحدة و”إسرائيل”، الذي تمظهر على مرأى من العالم بشكل واضح بسياسة الإبادة والتدمير الهائلين. وهذا لم يحصل إلا بيقين الغرب بأن حروبه ستقرر المسار العالمي بين بقاء الأورومركزية وبين التحول والانتقال نحو الشرق.
قلب العالم بين فلك الغرب والفرصة التاريخية
قلب العالم بأغلب دوله المستحدثة بعد الحرب العالمية الأولى 1918 قد أصبح ضمن الفلك الغربي يدور حيث يدور، وأغلب ثرواته تصبّ في مركزي المال العالمي لندن ونيويورك وغيرها، وهو غير قادر على اتخاذ قراره السيادي بالاستقلال الحقيقي والنهضة. وهو الآن أمام فرصة تاريخية لا تمر إلا كل 100 عام.
فالغرب يعيش لحظات حرجة، كما عبّر عنها الكاتب الفرنسي إيمانويل تود في كتابه الأخير “انهيار الغرب”، واليوم يتعاطى مع الحرب في غرب آسيا باعتبارها الوجه الآخر لكشف مسار التراجع، والمأزق الكبير هو الاعتراف بالعجز عن تحقيق أهداف الحرب، الذي له تداعياته المفترض ترجمتها بخرائط جديدة للنفوذ وتغييرات هيكلية وبنيوية في الدول، وسقوط أنظمة.
الخيار الأول أمام الغرب هو الاعتراف بالعجز عن تحقيق أهداف الحرب، وهو اعتراف له تداعياته ككارثة استراتيجية بفقدان الهيبة الغاشمة، وتحرر غالبية الدول من إكراهاته.
والخيار الثاني هو العودة إإلى الحرب التي يريدها “الإسرائيليون” حتى لو تضررت الولايات المتحدة أكثر من إيران، لأنها تعني تأخيرها عن البروز كقوة إقليمية عظمى في غرب آسيا، رغم أنها ستكون المتضرر الأكبر في حرب لها تداعياتها الهائلة على الاقتصاد الدولي المندمجة به، بل هي جزء حاكم به من خلف ستار العولميين الذين يقودونه.
وهذا المأزق هو جوهر التهديد الوجودي الذي يواجه غرب آسيا، فإما أن يختار الغرب الاعتراف بالواقع الجديد، أو أن يختار الحرب التي ستكون كارثية على الجميع.
استراتيجية إيران المضائق والشروط السبعة
طهران ذهبت إلى حدود غير متوقعة بالتحدي، ممسكة مع صنعاء بمضيقي هرمز وباب المندب، وفرضت شروطها السبعة كحل نهائي يتضمن إنهاء الحروب في غرب آسيا. وهو ضمنياً فيه استحالة بتنفيذه ببقاء “إسرائيل” التي تدرك بأن هزيمة الولايات المتحدة تعني هزيمتها، ولا وجود لقوة دولية بديلة تستطيع تأمين ما كانت تقدمه الولايات المتحدة والغرب عموماً لها.
وهذا يضع الغرب أمام معادلة صعبة: فإما أن يقبل بشروط إيران، وهي شروط تعني عملياً انسحاباً استراتيجياً كاملاً من المنطقة، أو أن يستمر في الحرب التي لا يمكنه حسمها.
الفرصة التاريخية هل تنتهزها شعوب غرب آسيا؟
أمام شعوب غرب آسيا فرصة لا تعوّض ترسمها القوى الحية فيها. فالحرب كشفت هشاشة النظام الغربي، وأظهرت أن الهيمنة الأميركية لم تعد قادرة على فرض إرادتها، وأن دول المنطقة قادرة على لعب دور أكبر في تحديد مصيرها.
لكن هذه الفرصة ليست مضمونة. فهي تتطلب من شعوب المنطقة أن تتجاوز انقساماتها، وأن تبني مؤسساتها، وأن تعتمد على مواردها الذاتية، وأن تنسج تحالفات إقليمية جديدة تقوم على المصالح المشتركة.
بين الفرصة والتهديد
غرب آسيا يقف اليوم بين الفرصة والتهديد الوجودي. فالتهديد يتمثل في الحرب النووية المحتملة، وفي استمرار الصراع الذي يدمر المنطقة، وفي انهيار الاقتصاد العالمي. والفرصة تتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس توازن المصالح، وفي تحرر شعوب المنطقة من الهيمنة الخارجية، وفي الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب.
والسؤال المتبقي: هل ستبقى معظم شعوب ودول غرب آسيا أسيرة الانقسامات والتبعية، بينما يقرر الآخرون مصيرها فوق رؤوسها؟
قد يكون الجواب بالمفاوضات الجارية في قطر فقد تكون الفرصة الأخيرة. فإما أن تنجح في إعادة ترتيب المنطقة على أساس التوازن على يد من يؤمن بنظام إقليمي داخلي، أو أن يفشل الجميع في اختبار المصير.
أحمد الدرزي – الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




