مقالات

الإعلام اللبناني «يدبك» لـ«تحرير الشام»

حالة من التخبّط خيّمت على الإعلام المحلّي إزاء سقوط النظام في سوريا. ويمكن القول إنّه منذ دخول المعارضة بقيادة «هيئة تحرير الشام» إلى مدينة حلب، تعاطى الإعلام على اختلاف توجّهاته بحذر مع الموضوع

تخبّط الإعلام اللبناني أمس الأحد في التعاطي مع سيطرة الفصائل السورية المسلّحة على دمشق وانسحاب الجيش السوري وتنازل الرئيس بشّار الأسد عن السلطة، في انعكاس للتخبّط الذي عاشته كلّ الأطراف وعدم توقّع حدث مماثل بهذه السرعة.

منذ دخول المعارضة بقيادة «هيئة تحرير الشام» إلى مدينة حلب الذي حصل مباشرةً بعد اتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تعاطى الإعلام اللبناني على اختلاف توجّهاته بحذر مع الموضوع. لم ينجرّ إلى ما كان عليه المشهد عام 2011، مع بعض الاستثناءات. من جهة، لم يرد وضع نفسه في صفّ المدافع عن نظام الأسد، ومن جهة أخرى، نظر بعين الريبة إلى الفصائل المسلّحة التي تقودها جبهة «النصرة» المصنّفة على لوائح الإرهاب الدى الأمم المتّحدة، وكانت تحتلّ الجرود اللبنانية واستُشهد على يدها عسكريّون لبنانيّون.

اعتمدت قنوات أخرى الصيغة الإخبارية البحت من دون أخذ موقف واضح

لكنّ هذه النظرة لم تمنع الإشارة إلى المسلّحين على أنّهم «المعارضة السورية المسلّحة» واعتبار دخولهم المدن على أنّه «تحرير»، في تماه مع الحملة الغربية التي هدفت إلى غسل ارتباط «هيئة تحرير الشام» بتنظيم «القاعدة» وتاريخ قائدها أبو محمّد الجولاني الحافل في «القاعدة» و«داعش» وصولاً إلى «جبهة النصرة»، التي تُوّجت بمقابلة قناة CNN الأميركية له رغم كونه ملاحقاً أميركيّاً. كما أثارت صحيفة «ذا تلغراف» وشبكة BBC البريطانيّتَان الانتقادات مع نشرهما تقارير تُظهر الجولاني على أنّه تخلّى عن «طيش الشباب» (كما وصفه في مقابلته مع CNN) وبات «تقدّميّاً»، في تناقض واضح منهما مع تقارير وحملات إعلامية كثيرة سابقة كانتا تهاجمانه فيها وتنتقدان ارتباطاته بـ«القاعدة». ولاحظ متابعون كثر أوجه الشبه بين الجولاني والرئيس الأوكراني ڤولوديمير زيلينسكي من حيث تصفيفة الشعر والبزّة العسكرية المتطابقة بالشكل واللون، وحتّى طريقة الكلام.

هكذا، انكبّت القنوات الثلاث المهيمنة في لبنان على نقل كلّ ما تُصدره «المعارضة السورية المسلّحة»، تماماً كما كانت تفعل مع كل ما كان يصدر عن كيان الاحتلال الصهيوني وقوّاته، ولا تزال. ومع شروق شمس الأحد، أكملت برمجتها العادية، فيما نقلت LBCI قدّاس كاتدرائية نوتردام في باريس بعد إعادة افتتاحها. لكنّ المشهد تغيّر ظهراً، فتحوّلت القنوات إلى اعتماد اسم الجولاني الحقيقي، أي أحمد الشرع، وفتحت البثّ المباشر، ولا سيّما من الحدود اللبنانية السورية حيث ازدحمت حركة المغادرين والداخلين على حدّ سواء، ولكلمة رئيس «القوّات اللبنانية» سمير جعجع مساءً.

وأثارت قناة «الجديد» السخرية بسبب أسئلة مراسليها للداخلين إلى لبنان عن أسباب مغادرتهم سوريا، وهم من الأقلّيّات ممّن فرّوا من الجماعات المسلّحة التي عانوا بسببها سابقاً، ولا سيّما جبهة «النصرة»، لكنّهم أجابوا بأنّهم ينتظرون انقشاع الضباب حول ضمان سلامتهم في سوريا. كما وضعت القناة «خبراً عاجلاً» على الشاشة بشكل متقطّع طوال النهار مضمونه «سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا»، وجالت على مواقع في لبنان حيث عمّت الاحتفالات بسقوط النظام، مثل طرابلس والطريق الجديدة والبقاع الغربي. واستمرّت «الجديد» أيضاً بنشراتها الإخبارية لأوقات طويلة، ناقلةً مشاهد إسقاط تماثيل الرئيسَين السابقَين بشّار الأسد وحافظ الأسد، بالإضافة إلى مشاهد تحرير المعتقلين من السجون وحتّى خطابات الجولاني.

وظهرت مراسلة القناة زهراء فردون مساءً من دمشق في بثّ مباشر مطوّل وقابلت حتّى بعضاً من مقاتلي «هيئة تحرير الشام» الذين حاولوا إظهار أنّهم لا يتعرّضون لأحد، بمن في ذلك المنشقّون عن الجيش السوري، وهذه أوامر قيادية، وأوضحت لهم المراسلة أنّ القناة التي تعمل لها «حيادية» ولا تقف سوى إلى جانب ما يريده الشعب السوري. بعد ذلك، نقلت «الجديد» تصريح الرئيس الأميركي جو بايدن مباشرةً على الهواء.

وفي مقدّمة نشرة أخبارها المسائية، احتقلت LBCI وبشّرت مشاهديها بأنّه «سقط الرئيس بشّار الأسد. سقط الرئيس حافظ الأسد. سقطت سوريا الأسد. سقطت واحدة من أطول الديكتاتوريّات في العالم. سقط النظام الذي حكم سوريا وحاول أن يحكم اللبنانيّين والفلسطينيّين ويهادن الإسرائيليّين. سقط مَن ارتكب أفظع المجازر والاغتيالات والتفجيرات والاعتقالات سواء في سوريا أو في لبنان أو في حق الفلسطينيّين، ولم يشنّ على إسرائيل الا حرباً واحدة في خلال نصف قرن».

وأكملت القناة: «سقط مَن حكم لبنان مباشرةً من الـ1990 إلى الـ2005 وعبر بعض الأدوات من الـ2005 إلى اليوم، وبعض المناطق من 1976 حتى 1990. سقط مَن قام بالاغتيالات من كمال جنبلاط إلى بشير الجميّل إلى رينيه معوض إلى رفيق الحريري، ومَن بينهم ومَن بعدهم، من المفتي حسن خالد إلى الشيخ صبحي الصالح إلى الصحافيَّين سليم اللوزي ورياض طه إلى خطف ميشال أبو جودة وغيرهم». وبثّت القناة تقارير حول الموضوع وأضاءت على الاغتيالات التي ذكرتها في مقدّمتها.

من جهتها، نشرت mtv مقطعاً قصيراً يُظهر مبنى استديواتها وفي خلفيّته تتصاعد المفرقعات، وكتبت: «سقط نظام الطاغية وبقيت mtv».

كما دأبت على استضافة كلّ ما هنالك من وجوه من «14 آذار» وغالبيّتها من المتطرّفة. وبدأت mtv نشرتها المسائية باعتماد شعارها (لوغو) القديم. وأمام خلفية عدد من الشخصيّات التي اغتيلت في لبنان مع عنوان «نهاية الظلم والظالم»، تجمّع عدد من صحافيّي القناة وناشطي «14 آذار»، حاملين صوراً لمَن اغتيلوا، وموجّهين الرسائل السياسية، فيما خُصّصت النشرة بأكملها تقريباً للنظام الذي سقط وما قام به في لبنان حتّى عام 2005 بما في ذلك إغلاق القناة نفسها.

وبعد نشرة الأخبار، أطلّ مارسيل غانم ضمن حلقة خاصّة من برنامجه «صار الوقت» مع الشمبانيا والبقلاوة، وأعلن أنّه «يشمت» وأنّ المفرقعات ستنطلق من مقرّ القناة النقّاش. ولاقت mtv في الاحتفال وسائل إعلام كثيرة مثل صحيفتَي «النهار» و«نداء الوطن» ومنصّات «ميغافون» و«درج» و«رصيف» و«صوت بيروت إنترناشونال» وغيرها الكثير من صحف ومنصّات ومواقع إلكترونية.

في المقابل، تجاهل الإعلام المُحتفل الغزو الإسرائيلي في الجولان والقصف على دمشق وتصريحات رئيس حكومة الكيان بشكل كبير. أمّا القنوات التلفزيونية الأخرى، فاعتمدت الصيغة الإخبارية البحت من دون أخذ طرف واضح، وأشارت إلى وجهة النظر من الطرفَين، بما في ذلك OTV و«المنار» وNBN و«تلفزيون لبنان».

(نزار نصر _ الأخبار)

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى