اقتصاد
نظام النقد أم النقدين؟

هل نعيش في عالم معقد مع نقد واحد أي الدولار أم مع نقدين أي مع اليورو؟ بعد كل العقود من البناء الأوروبي الجدي، كيف يمكن تفسير النقمة الشعبية الداخلية العلنية تجاه الوحدة والرغبة بالرجوع الى الوراء؟ كيف نفسر الرغبة في اعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية «شنغين»؟ كيف نفسر رغبة البعض بالغاء النقد المشترك والعودة الى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية؟ وجدت الوحدة الأوروبية لتبنى على النموذج الأميركي الشمالي.
يقول الرئيس ترامب أن الوحدة الأوروبية أنشأت لأذية الولايات المتحدة وقد نجح الأوروبيون الى حد بعيد، في رأيه، مما يفسر طبيعة تعامله الحالي مع أوروبا بشأن أوكرانيا والتعريفات الجمركية.
لم يكن ممكنا ادخال نقد بحجم اليورو الى الأسواق العالمية من دون سنوات طويلة من التحضير. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لادخال نقد مشترك وانجاحه؟
أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة ايجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأميركي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة. لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الالمانية لحاجته الى المانيا في مواجهة أميركا.
ديغول كان يعتقد أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائما الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. هنا تكمن ضرورة ايجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار.
الذي شكل اللاصق بين المجموعات الأميركية هي الديموقراطية أي انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دورا كبيرا في النظام الأميركي ومسؤولان تجاه المقترع الأميركي. ترتكز الدولة الأميركية على الرئاسة لكن أيضا على المجلسين التشريعيين.
تكمن المشكلة حاليا في أن الرئاسة كما السلتطين التشريعيتين تقعان في يد جمهور الرئيس ترامب بالاضافة الى التعيينات القضائية الموالية. الوضع في أوروبا مختلف، اذ بالرغم من وجود مجلس نواب أوروبي، فهو أقل أهمية وتأثبرا من المثيل الأميركي.
تدير أوروبا في الواقع مجموعة من الموظفين وربما التقنيين مما يجعل المحاسبة غير موجودة. كما أن المؤسسات الأوروبية لم تتطور مع الوقت للتأقلم مع الحاجات والمستجدات. في الواقع تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن.
لا شك أن بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. جمعت سكان من أصول وتاريخ يتكلمون لغات وطنية مختلفة. بنيت أوروبا على مبدأ احترام الانسان وحريته، أي تأمين أبسط الحقوق الاجتماعية للمواطن مما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية.
لم تنجح الوحدة دائما في تحقيق الأهداف، الا أنها أحرزت تقدما كبيرا. كان من المفروض أن يشكل خلق اليورو عاملا أساسيا لتقوية الانصهار الأوروبي، فكان عموما عاملا مسببا للتباعد بين الأوروبيين. لم يكن الخطأ في الفكرة، انما في التنفيذ.
يقول «يانيس فاروفاكيس» في كتابه «خسارة الضعفاء» أن الدول الضعيفة أي اليونان هي الخاسرة من وحدات كبيرة. عندما كان وزيرا للمالية لأشهر قليلة، وضع الدول الأوروبية الأساسية في موقف عدائي نتيجة خطابه القاسي والهجومي علما أن المنطق لم يكن خاطئا.
عندما قال له الوزير الألماني أن دولته تريد استرداد قروضها لليونان، أجابه فاروفاكيس عن الوقت التي ستعوض فيه ألمانيا لليونان الخسائر التي حققتها فيها خلال الحرب العالمية الثانية.
لم يتعود الألمان على هذا المنطق، وبالتالي شكل نقطة الطلاق النهائي بين حكومته والحكومات الأوروبية الأساسية أهمها الألمانية، مما استوجب استبداله بشخص آخر في المالية اليونانية. عندما واجهه الأوروبيون بضرورة تسديد اليونان لبعض الموجبات المالية، أجاب بأن على الأوروبيين اعادة جدولة الديون اليونانية كي ترتاح وتنمو وثم تستطيع تسديد ما يتوجب عليها. هل كانت المشكلة فعلا مالية أم سوء تخاطب وحوار ونفسيات متشنجة؟
حتى 15\8\1971، كان الدولار النقد العالمي الوحيد المبني على قوة أميركا الاقتصادية وعلى نظام سعر صرف نقدي ثابت. بني نظام «بريتون وودز» على قوة الولايات المتحدة وعلى فائض ميزان الحساب الجاري لديها.
استمر عمل النظام ممتازا معتمدا على هذا الفائض الذي بدأ يندثر وبالتالي وضع النظام النقدي العالمي كله في خطر. يقول فاروفاكيس أن أزمة 2008 كانت نتيجة اتفاقية «بريتون وودز» السيئة حيث رفضت الولايات المتحدة اقتراحات «كينز» الذي مثل بريطانيا في تلك الاجتماعات. كان كينز يريد بناء نظام نقدي عالمي وليس نظام نقدي أميركي.
عندما بدأ ميزان الحساب الجاري الأميركي يصبح عاجزا، بدأ الخوف من عدم استقرار النظام النقدي وبدأ المجتمع الدولي يشتري الذهب من أميركا نفسها مما فرض عليها التخلي عن التزامها بتسديد المعدن الأصفر مقابل النقد الأخضر.
في الواقع تحقق فائض في الميزانين الألماني والياباني على انقاض الفائض الأميركي. استمر المصرف المركزي الأميركي في زيادة الكتلة النقدية لتجنب ركود عالمي مما سبب انخفاضا في قيمة الدولار الحقيقية وبالتالي رغبة متزايدة في التخلي عنه لصالح نقد آخر. فشل بريتون وودز أو نهايتها في 15\8\1971 فرض خلق نقد جديد تم تسميته لاحقا باليورو.
ما المفروض أن يحصل اليوم لتقوية ركائز اليورو وبالتالي استمرار الوحدة النقدية الأوروبية ضمن نظام النقدين العالميين؟
وجود ترامب مع سياساته المعلنة سيضعف الدولار تدريجيا علما أن الصين ليست جاهزة بعد للعب الدور النقدي المركزي العالمي.
الوحدة الأوروبية هي أصلا مشروع سياسي وبالتالي يجب تقوية المصالح والمؤسسات المشتركة حتى تنعكس كلها ايجابا على اليورو. يجب عدم تكرار الخطأ الأوروبي أي جعل الدول الضعيفة تدفع أخطأ المصارف المتهورة كما حصل مع اليونان وغيرها.
اللواء – لويس حبيقة
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



