بعد عليّ الطاهر، يبدو الجنوب أمام مسارين محتملين: إما أن تواصل إسرائيل دفع خطوط انتشارها باتجاه جبل الريحان وصولًا إلى البقاع الغربي، وإما أن تعتبر ما حققته حتى الآن سقفًا ميدانيًا مؤقتًا، فتنتقل إلى تثبيت مواقعها وإعادة تموضعها باتجاه ما يُعرف بالخط الرمادي، أي داخل الأراضي اللبنانية بعمق يقارب أربعة كيلومترات.
لكن ترجيح أحد المسارين لا يمكن أن يتم من خلال حركة القوات وحدها. فالمسألة في جوهرها مرتبطة بالقرار الأميركي وبطبيعة المرحلة التي تريد واشنطن إدارتها في الإقليم.
إذا كانت الولايات المتحدة تتحضر لجولة جديدة من المواجهة مع إيران، فإن إضعاف أدوات الردع المرتبطة بها في المنطقة يصبح جزءًا من الاستراتيجية الأوسع. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استهداف قدرات حزب الله ومحاولة تفكيك بنيته العسكرية باعتبارهما جزءًا من مسار يهدف إلى تقليص قدرة إيران على فتح جبهات مساندة أو استخدام حلفائها في أي مواجهة مقبلة.
أما إذا كانت الأولوية الأميركية تتجه نحو التهدئة والتفاوض وإنتاج تسوية إقليمية، فسيصبح استمرار التوسع الإسرائيلي أقل فائدة سياسيًا، وقد تفضّل واشنطن تثبيت الوضع عند حد معين تمهيدًا لتسوية لاحقة.
لكن المشكلة أن القرار الأميركي، حتى عندما يفرض سقفًا على إسرائيل، لا يعني بالضرورة أن “تل أبيب” ستعود بسهولة إلى خطوطها السابقة.
فإسرائيل لا تنظر إلى ما يجري باعتباره مجرد عملية لإبعاد خطر آني عن حدودها، بل ترى في اللحظة الحالية فرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب. وهذا يفسر الإصرار على استهداف البنية التحتية والقدرات التي تعتبرها تهديدًا مستقبليًا، لا فقط تلك المستخدمة في اللحظة الراهنة.
وهنا تصبح تجربة ما بعد حرب 2006 مهمة لفهم العقل الإسرائيلي. فالفكرة الأساسية ليست بالضرورة احتلال مساحة واسعة من لبنان، وإنما ضمان ألا تبقى المنطقة التي تعتبرها إسرائيل حساسة قادرة على إنتاج الخطر نفسه مرة أخرى.
من هذه الزاوية، يصبح جبل الريحان أكثر من مجرد نقطة جغرافية. موقعه يجعل الوصول إليه أو إبقاء الضغط عليه ذا قيمة عسكرية وأمنية، لأنه يوسّع العمق الذي تستطيع إسرائيل من خلاله التأثير في البيئة الجنوبية. لكن التوسع في المقابل يفرض عليها معادلة صعبة: كل كيلومتر إضافي يعني احتياجات أكبر للحماية، وانتشارًا أوسع، وكلفة سياسية وعسكرية أعلى.
لذلك، فإن السؤال يبقى ما إذا كانت ترى أن كلفة التقدم أقل من قيمة النتائج التي يمكن أن تحققها من ورائه.
وهنا تحديدًا يمكن فهم أهمية الموقف الأميركي:
واشنطن تستطيع أن تسمح بهامش عملياتي واسع إذا كان هدف المرحلة إضعاف حزب الله وإيران ومحور حلفائه، لكنها تستطيع أيضا أن تضع حدًا للتوسع إذا أصبح استمرار العمليات عبئًا على مسار تفاوضي أو على استراتيجية أميركية أوسع.
وبالتالي، فإن الخط الفاصل بين التقدم والتراجع لن يُرسم بالضرورة في الميدان وحده، قد يُرسم في مكان آخر، بحسب ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة أم نحو تسوية.
العامل الإيراني
السؤال الأكبر الذي يحدد اتجاه الجنوب هو: هل تريد الولايات المتحدة مواجهة جديدة مع إيران، أم تريد استثمار مرحلة الضغط الحالية للوصول إلى اتفاق؟
في السيناريو الأول، تصبح الجبهة اللبنانية جزءًا من عملية تحضير أوسع. المطلوب عندها تقليص قدرة حزب الله على التدخل في أي حرب مقبلة، وإضعاف الفصائل التي يمكن أن تشكل أدوات ضغط على المصالح الأميركية والإسرائيلية، بحيث تدخل إيران أي مواجهة محتملة وهي أقل قدرة على فتح ساحات متعددة.
أما في السيناريو الثاني، فإن استمرار التصعيد يصبح تدريجيًا أقل ملاءمة. عندها قد تتوقف إسرائيل عن التوسع، لكن من غير المتوقع أن تتخلى بسهولة عن المكاسب التي حققتها. الأرجح أن تحاول تحويلها إلى أوراق تفاوضية، أو إلى واقع أمني مؤقت يمكن تمديده إلى أن تنضج تسوية أوسع.
وهذا يعني أن التراجع، إن حصل، لن يكون بالضرورة عودة إلى ما قبل الحرب، كما أن التقدم لا يعني بالضرورة احتلالًا دائمًا. المنطقة الواقعة بين هذين الاحتمالين هي الأكثر ترجيحًا لتعقيد المرحلة المقبلة.
ماذا عن اليمن؟
قد يكون التطور الأكثر تأثيرًا في تخفيف الضغط عن لبنان خارج لبنان نفسه.
فإذا توسعت المواجهة في اليمن، ونجح الحوثيون في تحويل باب المندب والبحر الأحمر إلى ساحة ضغط فعالة على إسرائيل والولايات المتحدة، فقد تضطر واشنطن و”تل أبيب” إلى إعادة توزيع جزء من قدراتهما واهتمامهما بين أكثر من جبهة.
لا يعني ذلك أن اليمن قادر وحده على تغيير المعادلة الجنوبية، لكنه قد يخلق عاملًا جديدًا في حسابات الأولويات، خصوصًا إذا تحولت جبهة البحر الأحمر إلى مصدر استنزاف مستمر.
وفي هذه الحالة، قد يصبح لبنان أقل مركزية في الحسابات العسكرية المباشرة، ليس نتيجة تغير موقف إسرائيل منه، وإنما لأن الإقليم نفسه يكون قد أصبح أكثر ازدحامًا بالجبهات والتهديدات.
ما بعد عليّ الطاهر لا يبدو مسألة جغرافية محضة. المسألة تتعلق بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستُدار باعتبارها جزءًا من تحضير لمواجهة أميركية ـ إيرانية جديدة، أم باعتبارها ورقة ضغط للوصول إلى تسوية إقليمية.
إذا كان الخيار الأول هو الغالب، فإن استمرار الضغط على حزب الله وتوسيع هامش العمل الإسرائيلي يبقيان احتمالين قويين.
أما إذا كانت واشنطن تتجه نحو التهدئة، فقد يتوقف التوسع، لكن إسرائيل ستسعى على الأرجح إلى تثبيت ما حققته وتحويله إلى ورقة سياسية وأمنية، بدل الانسحاب السريع.
ولعل السؤال الاهم المطروح اليوم هو: ما الحد الذي تعتبره إسرائيل كافيًا لتحقيق أهدافها، وما الحد الذي تسمح الولايات المتحدة بتجاوزه؟
فإذا بقيت واشنطن في موقع إدارة الصراع، قد نشهد تثبيتًا تدريجيًا للواقع الحالي.
أما إذا انتقلت إلى إدارة مواجهة جديدة مع إيران، فقد يصبح الجنوب إحدى ساحات إعادة تشكيل ميزان القوة في الإقليم. وفي الحالتين، يبقى لبنان الطرف الذي لا يملك وحده قرار نهاية هذه المرحلة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن ما سيحدث في الجنوب خلال المرحلة المقبلة قد لا تحدده فقط حركة القوات على الأرض، بل ما سيحدث في طهران وواشنطن وبغداد وصنعاء.
فالجنوب ليس معزولًا عن الحرب الإقليمية، بل هو إحدى نتائجها المباشرة.
فاطمة عيسى
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




