لا تتعامل “إسرائيل” مع مستقبل قوات «اليونيفل» في جنوب لبنان كمسألة قوات أممية فقط، بل كجزء من محاولة أوسع لتغيير هندسة العلاقة الأمنية مع لبنان، وهي عملية تبدأ من تقليص دور الأمم المتحدة كوسيط ومراقب دائم، وتمرّ بتحميل الدولة والجيش اللبنانيين المسؤولية المباشرة عن نزع سلاح حزب الله، وربط الانسحاب “الإسرائيلي” بتحقّق ميداني، لتصل إلى «إدارة الخلافات» عبر مفاوضات “إسرائيلية” – لبنانية مباشرة ولو برعاية أميركية.
يبدو الموقف “الإسرائيلي” الرسمي الحالي أكثر حدّة في رفض التمديد للقوات الدولية. وقد أعلن سفير الكيان في الأمم المتحدة داني دانون في 27 آب الماضي أن “إسرائيل” «تؤيّد انتهاء ولاية اليونيفل نهاية السنة، وتعارض نشر قوات دولية أخرى مكانها»، داعياً إلى انتشار الجيش اللبناني في المنطقة «وفق المفاوضات المباشرة الجارية حالياً بين الطرفين». وهو موقف يجمع عناصر الرؤية “الإسرائيلية” لـ«الحل» القائمة على إنهاء «اليونيفل» وإحلال الجيش اللبناني مكانها ومن ثم تحويل إدارة الأمن إلى المسار الثنائي المباشر بين بيروت و”تل أبيب”.
وانطلاقاً من «عقيدة» أعلنتها الخارجية “الإسرائيلية” أخيراً تقول إن “إسرائيل” لن تعهد بأمنها إلى قوات أجنبية، تعتبر “تل أبيب” أن «اليونيفل» فشلت في تطبيق القرار 1701. وعليه، تصبح مشكلة العدو معها ليست في كونها لم تنزع سلاح حزب الله فقط، بل لأنها خلقت مظلة من «الاستقرار الوهمي» سمحت للحزب بتشييد بنية عسكرية واسعة قرب الحدود.
من هنا، يمكن فهم حساسية “إسرائيل” تجاه الاقتراح الفرنسي الذي كان يدفع إلى بقاء حضور دولي واسع في الجنوب، وقد وصل في أحد التصوّرات إلى نشر قوة من 5 آلاف جندي ونحو 500 مراقب مدني. ومع رفض “تل أبيب” الفكرة، كان رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يعمل على تكريس نموذج أميركي – ثنائي تكون فيه واشنطن الضامن والوسيط، وبيروت و”تل أبيب” تتفاوضان مباشرة على إجراءات الأمن والتنفيذ، بما يتحوّل إلى بديل عن النموذج الأممي الذي اقترحته فرنسا، إذ إن العدو لا يريد تفسيرات مجلس الأمن والأمم المتحدة والقوات الدولية للخروقات ومراقبة الحدود.
عملياً، تستفيد “إسرائيل” من «اتفاق الإطار» الذي وقّعته السلطة اللبنانية، كونه ينصّ على أن “إسرائيل” ولبنان يعتزمان حل القضايا بينهما «كدولتين ذَوَاتَيْ سيادة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة ودعم الولايات المتحدة». كما ينص بالتوازي على استعادة الجيش اللبناني «السيادة الفعلية» على الأراضي اللبنانية، بعد نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها بصورة قابلة للتحقّق، بما يسمح بانسحاب “إسرائيلي” تدريجي.
وعليه، يصبح نزع السلاح مساراً غير منفصل عن العلاقات الثنائية، بل الباب الذي تريد “إسرائيل” أن تدخل منه إلى تلك العلاقات، عبر صيغة عملية تبدأ بأن يُثبِت الجيش اللبناني قدرته على احتكار السلاح، قبل أن تؤكد ذلك جهة التحقّق (هنا تكمن أهميتها)، فتنسحب “إسرائيل” تدريجياً ويتم توسيع مناطق التطبيق، وعلى أثرها يتعمّق الحوار السياسي والأمني المباشر.
وتقول مصادر سياسية متابعة إن محادثات روما أظهرت أن هذا النموذج بدأ يتحوّل من نظرية إلى آلية عمل. فيما كشف موقع «وللا» العبري أخيراً أن الوفدين اللبناني و”الإسرائيلي” توصّلا إلى تعريفات ومؤشرات تشغيلية مشتركة بشأن «تطهير» مناطق تجريبية من البنية العسكرية، ووضعا خرائط مشتركة. ونُقل عن مسؤول أميركي قوله إن هناك بالتوازي محادثات “إسرائيلية” – لبنانية مباشرة ومتواصلة في قضايا مدنية وسياسية، وبمشاركة أكبر وفدين اجتمعا بهذه الصورة، علماً أن وفد قيادة الجيش الذي شارك في قسم من هذه المحادثات، أعرب عن اعتراضه على أمور كثيرة بسبب رفض العدو تحديد دقيق للمنطقة المُحتلة، وشرح توصيفه لما يراه تهديداً وشيكاً، إضافة إلى مسألة تفتيش المنازل.
توقيع لبنان على اتفاق الإطار وملحقه الأمني برّر للعدو وواشنطن التخلّص من الشريك أو الشاهد الدولي، وترك لبنان وحيداً في مواجهة مطالب لا تنتهي
بالعودة إلى «جهة التحقّق»، يبدو أن “إسرائيل” لا ترفض «الرقابة» بحدّ ذاتها، بقدر ما تريد تغيير مَن يقوم بها وكيفية قيامه بذلك. في محادثات تموز الماضي نُقل عن مسؤول “إسرائيلي” قوله إن «اليونيفل» و«UNTSO» لن تكونا جزءاً من نموذج التحقّق الخاص بالمناطق التجريبية. فيما تحدّث مسؤول أميركي لاحقاً عن احتمال وجود طرف ثالث ضمن آلية دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة. هنا، يبرز إلى الواجهة في المداولات “الإسرائيلية” المُلحق الأمني لاتفاق الإطار، والذي أُبقي سرّياً بطلب لبناني، علماً أن النص الذي نشرته «الأخبار» لاحقاً، كشف عن وجود جسم جديد اسمه «Military Coordination Group for Lebanon) «MCG4L) يعمل على مدار الساعة، ومهمته منع الاحتكاك، إضافة إلى التحقّق والإشراف على التنفيذ، على أن يرفع تقاريره إلى المستويات السياسية عبر قنوات عسكرية بين الجيشين، علماً أنه جرى الحديث عن تنسيق غير مباشر. كما أن الانسحاب “الإسرائيلي” يُخطّط ويُوقّت بواسطة هذه المجموعة نفسها وليس بواسطة «اليونيفل» أو مجلس الأمن.
هنا تكمن النقلة الأساسية، فالبديل الحقيقي لـ«اليونيفل» ليس بالضرورة قوة واحدة بل منظومة متكاملة، تتشكّل من الجيش اللبناني و«MCG4L» إضافة إلى جهة ثالثة تحقّق بالتنسيق مع الولايات المتحدة إضافة إلى قناة “إسرائيلية” – لبنانية دائمة. ويحصل ذلك بعد استبعاد الأمم المتحدة من نموذج التحقّق الذي تريده “إسرائيل”، التي تعتبر المسألة بالنسبة إليها ليست مجرد تغيير اسم «اليونيفل» بل إخراج أجهزة الأمم المتحدة نفسها من الحلقة التي تقرّر ما إذا كان لبنان قد نفّذ التزاماته أم لا.
بالنسبة إلى “إسرائيل”، مَن يملك صلاحية القول إن قرية ما أصبحت «خالية من سلاح حزب الله» يملك عملياً مفتاح المرحلة التالية، ثم يجيب على سؤال عمّا إذا كانت “إسرائيل” ستنسحب منها أم تبقى؟ والمُلحق الأمني يشترط نجاحاً «قابلاً للتحقّق» قبل أي إعادة انتشار “إسرائيلية” جديدة. وبهذا تكون “إسرائيل” قد انتقلت من «نظام 1701 – اليونيفل» إلى «نظام الاتفاق الثنائي المشروط بالأداء». وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء القرار 1701، بقدر ما يعني إزاحة «اليونيفل» كأداة التنفيذ والمراقبة الرئيسية واستبدالها بترتيب آخر تصبح بيروت بموجبه مسؤولة مباشرة أمام “إسرائيل” والولايات المتحدة عن إزالة السلاح والبنى العسكرية، فيما تربط “إسرائيل” انسحابها بنتائج ملموسة، وتشرف واشنطن على التحقّق والتسوية.
وتعلّق المصادر السياسية المتابعة على الانسياق الرسمي اللبناني خلف «الآلية “الإسرائيلية” البديلة» بالقول إنها تخدم “إسرائيل” في عدة اتجاهات في آن. فهي تحوّل حزب الله من «طرف في صراع مع “إسرائيل”» إلى «مشكلة سيادة لبنانية يجب على بيروت حلها»، وتحوّل أي فشل في نزع السلاح إلى مسؤولية للحكومة اللبنانية لا إلى فشل جديد لـ«اليونيفل»، والأهم أن ذلك يعطي “إسرائيل” أساساً للقول إن بقاء قواتها أو استمرار اعتداءاتها سببه عدم تنفيذ الدولة اللبنانية التزاماتها.