تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار يؤثر على الأسواق العالمية وأسعار الفائدة وتكلفة الاقتراض، مع تحديات في الموازنة والعجز المالي المستدام.
لم يعد الدين الأميركي مجرد رقم ضخم يظهر على شاشة “ساعة الدين” في نيويورك، ولا قضية سياسية تتكرر مع كل نقاش حول الموازنة ورفع سقف الدين.
فبعدما تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى في التاريخ، تحوّل الرقم إلى إشارة مالية واقتصادية تحمل تداعيات تتجاوز واشنطن إلى أسواق السندات والدولار والأسهم والذهب، وحتى تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات في العالم.
فإلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تحمّل تكلفة خدمة هذا الدين إذا بقيت أسعار الفائدة مرتفعة؟تجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار في آب/أغسطس 2026، بعدما كان يقارب 20 تريليون دولار في 2017، أي تضاعف تقريباً في أقل من عقد.
ويشمل الرقم نحو 32.3 تريليون دولار من الدين المملوك للجمهور، ونحو 7.8 تريليونات دولار من الديون الحكومية الداخلية.
المشكلة ليست في حجم الدين وحده. فالولايات المتحدة تمتلك ميزة لا تتمتع بها معظم الدول: الدولار هو العملة الاحتياطية الأولى عالمياً وسندات الخزانة الأميركية ما زالت من أهم الأصول التي تلجأ إليها البنوك المركزية والمستثمرون العالميون، وهذا يمنح واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض.
إلا أن هذه الميزة لا تعني أن الاقتراض مجاني، فكل دولار إضافي من الدين يصبح أعلى تكلفة عندما ترتفع عوائد السندات.
في أكثر من عقد، استفادت الولايات المتحدة من بيئة مالية استثنائية اتسمت بأسعار فائدة منخفضة جداً، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية ثم خلال جائحة كورونا. كانت الخزانة الأميركية تستطيع إصدار كميات ضخمة من الديون بتكاليف تمويل منخفضة نسبياً، فيما كان المستثمرون يقبلون على السندات الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً.
لكن تلك المرحلة بدأت تتغير. فاليوم، أصبحت عوائد السندات طويلة الأجل أكثر ارتفاعاً وتقلباً.
وقد تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً مستويات 5%، ووصل إلى مستويات قرب 5.3% لم يشهدها السوق منذ سنوات طويلة.
قد تضطر واشنطن للاقتراض لخدمة دينها. (أ ف ب)
مدفوعات الفائدة على الدين الفيدرالي تتجاوز تريليون دولار سنوياً، لتصبح من أكبر بنود الإنفاق الحكومي، متقدمة على الإنفاق الدفاعي في بعض المقارنات، ولا يفصلها عن أكبر بنود الموازنة سوى الضمان الاجتماعي، أي قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاقتراض، ليس لتمويل الإنفاق فحسب، وإنما أيضاً لتمويل جزء متزايد من تكلفة الدين نفسه.
وتحذر تقديرات من أن ارتفاع أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية واحدة يمكن أن يدفع تكلفة خدمة الدين إلى مستويات أعلى كثيراً في السنوات المقبلة.
تبدل في العلاقة بين الحكومة والمستثمرين
لطالما كانت سندات الخزانة الأميركية الركيزة الأساسية للنظام المالي العالمي.
لكن ارتفاع العوائد في السنوات الأخيرة يعكس تغيراً في العلاقة بين الحكومة والمستثمرين.
فالمستثمر الذي كان يقبل بعائد منخفض مقابل الأمان والسيولة أصبح اليوم يريد تعويضاً أكبر عن التضخم، ومخاطر العجز، واحتمالات استمرار الاقتراض الحكومي الضخم.
وهذا يجعل ارتفاع عوائد السندات أكثر من مجرد حركة في سوق الدخل الثابت.
فإذا ارتفعت عوائد الخزانة، ترتفع معها تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأميركي كله: الرهن العقاري، قروض السيارات، تمويل الشركات، السندات، وحتى تقييمات الأسهم، تتأثر بدرجات مختلفة بمستويات عوائد الخزانة.
لهذا، مشكلة الدين لا تبقى داخل وزارة الخزانة الأميركية، إنما تنتقل إلى الأسواق والمستهلكين والشركات. وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن ارتفاع تكلفة الدين الحكومي ينعكس فعلياً على تكاليف التمويل للأسر والشركات، مع ارتفاع أسعار الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية.
وفي محاولة لتهدئة سوق السندات، اتجهت وزارة الخزانة الأميركية إلى زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل بهدف تحسين السيولة ودعم السوق.
ساعدت هذه الخطوات مؤقتاً في دفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الانخفاض من مستوياتها القياسية الأخيرة؛ إذ تراجع عائد 30 عاماً من نحو 5.31% في 17 أغسطس إلى قرابة 5.19% في 26 أغسطس.
بورصة نيويورك في وال ستريت. (أ ف ب)
لكن هذه الخطوة لا تعالج جوهر المشكلة. فيمكن الخزانة الأميركية أن تؤثر في ديناميكيات السوق والسيولة، لكنها لا تستطيع إلغاء العجز المالي.
فإذا استمر الإنفاق أعلى كثيراً من الإيرادات، ستحتاج الحكومة إلى إصدار المزيد من الديون. وفي النهاية، سيعود السؤال إلى المستثمرين: من يشتري كل هذه السندات؟ وبأي عائد؟وهنا تظهر انتقادات ترى أن التدخلات الفنية في سوق السندات قد تمنح واشنطن بعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تحل المشكلة المالية الأساسية من دون إصلاحات حقيقية في الإنفاق والإيرادات.
تأثير في بيئة الأسواق
قد يبدو غريباً أن نتحدث عن أزمة ديون أميركية بينما لا يزال الدولار وسندات الخزانة في قلب النظام المالي العالمي، لكن قوة الدولار هي في الوقت نفسه أحد أسباب قدرة الولايات المتحدة على الاقتراض، وأحد الأسباب التي تجعل أي مشكلة مالية أميركية مشكلة عالمية.فالبنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية والمؤسسات المالية حول العالم تمتلك أصولاً مقومة بالدولار.
ارتفاع عوائد الخزانة قد يكون جذاباً للمستثمرين من ناحية العائد، لكنه في المقابل يعيد توزيع تدفقات رأس المال العالمية. لكن ارتفاع العوائد يحمل وجهاً آخر: كلما ارتفعت تكلفة تمويل الولايات المتحدة، أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي زيادة إضافية في العجز أو التضخم أو أسعار الفائدة.40 تريليون دولار لا تعني تلقائياً انهيار الأسهم أو صعود الذهب، لكن الرقم يغير البيئة التي تعمل فيها الأسواق.
فبالنسبة للأسهم، فإن ارتفاع عوائد السندات يعني ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات، وهو ما يضغط خصوصاً على أسهم التكنولوجيا والشركات ذات التقييمات المرتفعة.
أما الذهب فيستفيد من المخاوف المتعلقة بالعجز والدين وتراجع الثقة في الاستقرار المالي على المدى الطويل، خصوصاً إذا ارتبطت هذه المخاوف بتضخم مستمر. في المقابل، تبقى العلاقة مع البيتكوين أكثر تعقيداً، إذ ينظر إليه بعض المستثمرين كأصل بديل عن النظام المالي التقليدي، بينما يراه آخرون أصلاً عالي المخاطر يتأثر بشدة بالسيولة وأسعار الفائدة.
مقر الفيدرالي الأميركي المسؤول عن تحديد أسعار الفائدة. (أ.ف.ب)
بمعنى آخر، الدين الأميركي قد لا يخلق اتجاهاً واحداً للأسواق، لكنه يرفع مستوى الحساسية والتقلب فيها. فالمشكلة ليست في 40 تريليون دولار، بل في 50 تريليون دولار تالية، فربما يكون الرقم 40 تريليون مجرد محطة نفسية، لأن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة لأنها وصلت إلى رقم معين، وإنما لأنها لم تجد حتى الآن طريقة مستدامة لوقف الاتجاه الصاعد للدين.
يستمر العجز المالي المرتفع حتى في ظل اقتصاد يعمل بمستويات بعيدة عن الركود، بينما تضغط برامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والإنفاق الدفاعي على الموازنة، في وقت تؤدي فيه التخفيضات الضريبية إلى تقليص جانب من الإيرادات.
وهذا يجعل الخيارات أمام واشنطن أشد صعوبة: رفع الضرائب؟ خفض الإنفاق؟ قبول نمو أبطأ؟ السماح بتضخم أعلى فترة أطول؟ أم الاستمرار في الاقتراض أملاً في أن ينمو الاقتصاد بوتيرة أسرع من الدين؟ كل خيار يحمل تكلفة سياسية واقتصادية.
ربما لا يكون تجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار إعلاناً عن انهيار النظام المالي الأميركي، لكنه بالتأكيد إعلان عن نهاية مرحلة مالية مختلفة، كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على الاقتراض بتكلفة منخفضة، فيما كان الطلب العالمي على سنداتها يوفر لها مساحة واسعة للمناورة.
اليوم، أصبح المستثمرون أكثر انتباهاً للعجز، وأكثر حساسية للتضخم، وأكثر اهتماماً بالعائد الذي يحصلون عليه مقابل الاحتفاظ بالدين الأميركي، وهذا ما يجعل سوق السندات أهم من رقم الدين نفسه.
فإن بقيت العوائد طويلة الأجل مرتفعة، ستصبح خدمة الدين أعلى تكلفة.
وإذا ارتفعت تكلفة الفائدة، سيزداد العجز. وإذا ازداد العجز، ستحتاج الحكومة إلى إصدار مزيد من السندات.
وهكذا، يمكن أن تتحول المسألة من أزمة دين إلى حلقة دين.
ليس تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار رقماً قياسياً جديداً، فهذا اختبار حقيقي للنموذج المالي الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة لعقود.
فالقوة الأميركية لا تزال هائلة، والدولار لا يزال العملة الاحتياطية الرئيسية، وسوق الخزانة لا يزال الأعمق والأكثر سيولة في العالم.
لذلك، الحديث عن انهيار وشيك للدولار أو الاقتصاد الأميركي مبالغة. لكن تجاهل المشكلة سيكون مبالغة أكبر.