الاقتصاد ليس منفصلاً عن السياسة. فالتجارة والاستثمار والأسواق ورؤوس الأموال والمصارف والشركات والموارد الطبيعية يمكن أن تكون أدوات لتعزيز العلاقات بين الدول، كما يمكن أن تتحول إلى وسائل لتمهيد الطريق أمام علاقات سياسية جديدة. ومن هنا يظهر مفهوم التطبيع الاقتصادي.
فالتطبيع الاقتصادي لا يعني فقط تبادل السلع أو فتح الأسواق، وإنما يعني الانتقال من القطيعة أو المقاطعة الاقتصادية إلى إقامة علاقات تجارية واستثمارية ومالية منتظمة، تجعل التعامل مع الطرف الآخر أمراً طبيعياً ومعتاداً. لكن السؤال هو: ماذا يُستهدف في عملية التطبيع الاقتصادي؟
التطبيع الاقتصادي هو إقامة أو توسيع العلاقات الاقتصادية بين طرفين كانا في حالة قطيعة أو صراع، من خلال التجارة والاستثمار والمصارف والشركات والمشاريع المشتركة وسلاسل التوريد وغيرها، إلى أن تصبح المصالح الاقتصادية بين الطرفين متشابكة، لأن الاقتصاد قادر على تغيير طبيعة العلاقات قبل أن يتغير الخطاب السياسي بصورة كاملة.
أول ما يُستهدف هو السوق، لان فتح الأسواق أمام منتجات الطرف الآخر يؤدي إلى وجودها في المحلات والمؤسسات والمنصات التجارية، ويجعل التعامل معها أمراً يومياً. ويأتي بعد ذلك التجارة والاستيراد والتصدير، من خلال الاتفاقيات التجارية وإزالة القيود والرسوم وفتح قنوات جديدة للتبادل. كما يستهدف الاستثمارات ورؤوس الأموال، عبر السماح للشركات والمستثمرين بالدخول إلى الأسواق، وإنشاء مشاريع مشتركة أو شراء حصص في شركات ومؤسسات. ومن المجالات المهمة المصارف والقطاع المالي، من خلال تسهيل التحويلات والمعاملات المالية والتعاون بين المؤسسات المصرفية. وقد يصل الأمر إلى إقامة مصانع مشتركة أو الاعتماد على شركات الطرف الآخر في التكنولوجيا والمعدات والمواد الأولية. ولا يقل أهمية عن ذلك الموارد الطبيعية، كالطاقة والمياه والثروات المعدنية والموارد البحرية، إذ يمكن أن تصبح مشاريع استثمارها أو تسويقها مجالاً للتعاون الاقتصادي. كذلك الشركات ورجال الأعمال، من خلال المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية والغرف التجارية واتفاقيات التعاون، بحيث تتشكل شبكة من المصالح الخاصة إلى جانب العلاقات الرسمية.
غالباً لا يبدأ التطبيع الاقتصادي بصورة شاملة، بل يتم تدريجياً. من خلال السماح ببعض أنواع التجارة، أو تخفيف القيود على الاستيراد والتصدير، ثم توقيع اتفاقيات اقتصادية محددة. بعد ذلك تنتقل العلاقات إلى مستوى أكبر، من خلال فتح الأسواق، وتسهيل الاستثمارات، وإقامة المعارض التجارية والمنتديات الاقتصادية، ثم إنشاء مشاريع مشتركة. ومع الوقت تدخل الشركات والمصارف والمستثمرون في هذه العلاقات، فتتشكل مصالح اقتصادية متبادلة تجعل العلاقة أكثر رسوخاً. وهكذا يمكن أن ينتقل التطبيع من اتفاق بين الحكومات إلى علاقة يومية بين الشركات والأسواق والمستهلكين.
قد تكون الشركات في مقدمة المستفيدين من فتح الأسواق، ولذلك فإن دورها أساسي في عملية التطبيع الاقتصادي. فالشراكة بين الشركات، وتبادل المنتجات والخدمات، والاستثمارات المشتركة، والمؤتمرات الاقتصادية، كلها قد تساهم في جعل العلاقات الجديدة أمراً طبيعياً. لكن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها؛ فالشركات مطالبة أيضاً بالتأكد من أن أنشطتها لا تقوم على استغلال أراضٍ أو موارد جرى الاستيلاء عليها بصورة غير مشروعة، أو الاستفادة من انتهاكات حقوق الإنسان.
ومن أخطر جوانب التطبيع الاقتصادي أنه قد يسبق التطبيع السياسي أو يمهد له. فعندما تتوسع التجارة والاستثمارات والمصالح المشتركة، يصبح وجود الطرف الآخر في الاقتصاد أمراً عادياً، ثم يمكن أن تنتقل هذه الحالة تدريجياً إلى المجال السياسي. وقد يصبح منطق المصالح الاقتصادية أقوى من المواقف السابقة، فيقال إن استمرار العلاقات ضروري لحماية الاستثمارات والأسواق وفرص العمل، وهنا يصبح الاقتصاد، بصورة غير مباشرة، عاملاً في إعادة تشكيل القرار السياسي. لذلك يجب النظر إلى طبيعة العلاقة وهدفها وسياقها ونتائجها، وليس إلى الصفقة التجارية وحدها.
المصالح الاقتصادية والحقوق
لا شك أن الدول تبحث عن مصالحها الاقتصادية، وأن التجارة والاستثمار يمكن أن يحققا النمو والتنمية وخلق فرص العمل. لكن هل يمكن للمصلحة الاقتصادية أن تكون بديلاً عن الحقوق؟
إن الاقتصاد القوي يحتاج إلى علاقات مستقرة، لكن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجاهل الحقوق أو نسيان أسباب الصراع. فإذا تحولت المصالح الاقتصادية إلى وسيلة لإسقاط قضايا الشعوب، أو إلى أداة لإضفاء الشرعية على الاستيلاء على الأرض والموارد، فإن الاقتصاد لا يعود مجرد نشاط تجاري، بل يصبح جزءاً من مشروع سياسي. والتطبيع الاقتصادي قد يبدأ بسلعة، ثم شركة، ثم استثمار، ثم مشروع مشترك، ثم شبكة مصالح واسعة. ولهذا فإن الوعي بطبيعة العلاقات الاقتصادية وأهدافها لا يقل أهمية عن الوعي بالعلاقات السياسية. فالسوق قد يكون جسراً للتعاون والسلام عندما يقوم على العدالة والاحترام المتبادل، لكنه قد يصبح أيضاً أداة لتثبيت واقع سياسي جديد عندما تصبح المصالح بديلاً عن الحقوق.