𝕏
موقع صدى الضاحية
موقع صدى الضاحيةموقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم
البث المباشر
عاجل
موقع صدى الضاحيةحرب على الذاكرة… ماذا يريد الاحتلال من تدمير الزيتون المعمّر في جنوب لبنان؟موقع صدى الضاحيةالسيد فضل الله: المفاوضات مرهونة بتحرير الأرض وعودة الأهاليموقع صدى الضاحيةالحاج حسن: اتفاق الإطار «وُلد ميتًا» والسلطة تبيع الأوهام للبنانيينموقع صدى الضاحيةاستنزاف مخزونات واشنطن بسبب الحرب على إيرانموقع صدى الضاحيةخارطة الطريق والحلقة المفقودةموقع صدى الضاحيةالحاج حسن: بعد 7 جولات من المفاوضات.. لم يقدموا شيئاً للبنانموقع صدى الضاحيةاتفاق الإطار اللّبناني – الإسـرائيلي: هل يصبح لبنان مُستعمَرةً إسرائيليّة؟موقع صدى الضاحيةالسلطة تخرج صفر اليدين من مُفاوضات روماموقع صدى الضاحيةحرب على الذاكرة… ماذا يريد الاحتلال من تدمير الزيتون المعمّر في جنوب لبنان؟موقع صدى الضاحيةالسيد فضل الله: المفاوضات مرهونة بتحرير الأرض وعودة الأهاليموقع صدى الضاحيةالحاج حسن: اتفاق الإطار «وُلد ميتًا» والسلطة تبيع الأوهام للبنانيينموقع صدى الضاحيةاستنزاف مخزونات واشنطن بسبب الحرب على إيرانموقع صدى الضاحيةخارطة الطريق والحلقة المفقودةموقع صدى الضاحيةالحاج حسن: بعد 7 جولات من المفاوضات.. لم يقدموا شيئاً للبنانموقع صدى الضاحيةاتفاق الإطار اللّبناني – الإسـرائيلي: هل يصبح لبنان مُستعمَرةً إسرائيليّة؟موقع صدى الضاحيةالسلطة تخرج صفر اليدين من مُفاوضات روما
عاجل

حرب على الذاكرة… ماذا يريد الاحتلال من تدمير الزيتون المعمّر في جنوب لبنان؟

09/08/2026 · Mariam Elzein

في مشهدٍ يتجاوز بكثير حدود الحرب التقليدية، أضاف الاحتلال فصلاً جديداً إلى سجلّ عدوانه على جنوب لبنان، لم يعد فيه القصف موجّهاً إلى المنازل والبنى التحتية فحسب، بل امتدّ ليطال الجغرافيا نفسها، والذاكرة الجماعية التي تتجذّر في أعماق التراب اللبناني.

ففي بلدة يارون الحدودية، وعلى مرأى من سكانها، التهمت النيران أكثر من 120 هكتاراً (1200 دونم) من أشجار الزيتون المعمّرة والبساتين، في حريق استمر لأكثر من 36 ساعة، ولم يتمكّن أحد من إطفائه.

حريق يارون: إبادة ممنهجة تحت غطاء النار

في مطلع آب/أغسطس 2026، أضرمت القوات الإسرائيلية النار في بساتين الزيتون والأشجار المثمرة في بلدة يارون، الواقعة على بعد أقلّ من كيلومتر واحد من الحدود مع فلسطين المحتلة. وبحسب رئيس بلدية يارون، فإنّ النيران طالت أشجار زيتون عمرها قرون، بعضها يزيد عن 100 عام، وأخرى لا تقلّ عن 50 عاماً. ولم يقتصر الدمار على أشجار الزيتون وحدها، بل امتدّ ليشمل الأحراج والأشجار المثمرة بأنواعها.

الأكثر إيلاماً في هذه الكارثة ليس حجم الدمار فقط، بل العجز التامّ عن مواجهته. فبسبب وجود القرية ضمن منطقة محتلة، مُنع السكان ورجال الإطفاء من الوصول إلى موقع الحريق، تاركين النيران تلتهم الأرض من دون رقيب. يقول رئيس البلدية في شهادته المؤلمة: “انكسر قلبي عند المشهد. شاهدنا مع عدد من السكان الحقول تحترق حتى ذرفنا الدموع”.

ويضيف بعبارة اختزلت عمق المأساة: “يمكن إعادة بناء المنازل، لكنّ أشجار الزيتون القديمة ستستغرق عقوداً لتعود إلى ما كانت عليه”. أما والده البالغ من العمر 84 عاماً، فكان أكثر صراحة ووجعاً، إذ قال لابنه: “أنا أكثر حزناً على الأشجار من المنزل”.

هذه الكلمات ليست فقط تعبيراً عن الأسى، بل هي شهادة على حقيقة جوهرية: أنّ شجرة الزيتون في ثقافة الجنوب ليست مجرّد مصدر رزق، بل هي جزء من الهوية، وسجلّ حيّ لتاريخ العائلة، وشاهد صامت على تعلّق الإنسان بأرضه.

اقتلاع الزيتون في زوطر الشرقية: سرقة للجذور

لم تكن يارون وحدها مسرحاً لهذا العدوان البيئي. ففي بلدة زوطر الشرقية، كشفت التقارير عن فصول أخرى لا تقلّ بشاعة. فقد تمّ اقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة تعود ملكيتها إلى عدد من عائلات البلدة.

وما يزيد الأمر تعقيداً أنّ عملية الاقتلاع تمّت باستخدام آليات ثقيلة، وهنا يتجلى البُعد الإضافي للعدوان: فالأمر لم يعد مجرّد حرق، بل تحوّل إلى سرقة منظّمة للأشجار، كما تشير صور الأقمار الاصطناعية التي تظهر أراضي عارية جُرِّفت بالكامل. وهذا الفعل، كما وصفه أحد المزارعين، “ليس مجرّد نزع ملكية؛ بل هو اعتداء رمزي على سلامة لبنان، وذاكرته الجماعية، ووجوده على أرضه”.

الفوسفور الأبيض: سلاح الإبادة الصامت

خلف هذه الحرائق أداة فتّاكة: الفوسفور الأبيض. فقد أكدت منظمة العفو الدولية استخدام “إسرائيل” لهذه المادة شديدة التفاعل، التي تشتعل في درجات حرارة عالية جداً عند تعرّضها للهواء. وبينما لا يحظر القانون الدولي استخدام الفوسفور الأبيض بشكل مطلق، فإنه يمنع بشكلٍ قاطع استخدامه ضدّ المدنيين أو في المناطق المأهولة.

لكنّ “إسرائيل”، وفقاً للبيانات التي جمعها مختبر الأدلة المدنية التابع لمنظمة العفو الدولية، استخدمت هذه المادة الحارقة عمداً في قرى جنوب لبنان المأهولة بالسكان، بهدف إجبار المدنيين على النزوح وجعل أراضيهم غير قابلة للاستخدام.

والنتيجة كانت كارثية: فالفوسفور الأبيض دمّر المحاصيل الزراعية، وأحرق الأراضي الزراعية، وتركها ملوّثة. كما أشعل حرائق واسعة التهمت غابات البلوط والصنوبر، ودمّرت الموائل الطبيعية للحيوانات، مما دفع أنواعاً مهدّدة بالفعل، مثل الضباع المخطّطة وابن آوى الذهبي، إلى المناطق السكنية.

إبادة بيئية بأبعاد استراتيجية

ما يحدث في جنوب لبنان ليس فقط أضراراً جانبية للحرب، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا. فوفقاً لوزيرة البيئة اللبناني تمارا الزين، فإنّ الهجمات الإسرائيلية أسفرت عن تدمير أكثر من 5000 هكتار من الغابات والأحراج بين عامي 2023 و2024، وأضيف إليها نحو 2000 هكتار أخرى في الأشهر الأولى من عام 2026، ليصل إجمالي الأراضي المتضرّرة إلى 7000 هكتار. وقد وصفت الوزيرة هذا الدمار بأنه “إبادة بيئية” مستمرة منذ عام 2023.

وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم الكارثة: فقد فقد لبنان خلال العدوان الأخير نحو 1910 هكتارات من الأراضي الزراعية الرئيسية، و47 ألف شجرة زيتون، ونحو 1200 هكتار من غابات البلوط. كما تشير تقديرات اتحاد المزارعين في الجنوب إلى أنّ 53% من بساتين الزيتون تضرّرت بسبب قنابل الفوسفور الأبيض ورش مبيدات الغليفوسات.

استهداف الذاكرة والهوية

لكن ما يجعل هذه الجريمة فريدة من نوعها هو بُعدها الرمزي والثقافي. فشجرة الزيتون المعمّرة ليست فقط محصولاً زراعياً؛ إنها “تحمل اسم من زرعها، وعلامة من قلّمها، وذاكرة الأجيال التي عاشت من ثمارها”. وهي في الثقافة اللبنانية والفلسطينية، رمز للتجذّر والصمود والبقاء.

وعندما تتعمّد “إسرائيل” حرق أو اقتلاع أشجار زيتون عمرها أكثر من قرن، فإنها لا تدمّر مصدر رزق فحسب، بل تحاول محو معالم الهوية التاريخية للمنطقة، وشطب الأدلة المادية التي تفضح الرواية الصهيونية حول الأرض. وكما عبّر رئيس بلدية يارون: “فإنّ الخسارة الأكبر لا تقتصر على الأشجار المحروقة؛ إنها تتعلّق بجزء أساسي من حياة القرويين، وذكرياتهم وتاريخهم”.

إنّ استهداف الأشجار المعمّرة هو محاولة لقطع جذور السكان في أرضهم، وتفريغ المشهد الطبيعي من كلّ ما يذكّر بوجودهم وتاريخهم. إنها حرب ضدّ الذاكرة بقدر ما هي حرب ضدّ الجغرافيا.

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

إلى جانب الخسائر البيئية والثقافية، يحمل هذا العدوان تداعيات اقتصادية واجتماعية مدمّرة. ففي يارون وحدها، قدّرت البلدية أنّ الأرض المدمّرة كانت ستنتج آلاف العلب من زيت الزيتون، حيث ينتج كلّ دونم في المتوسط ست علب، بقيمة تصل إلى 150 دولاراً للعلبة الواحدة. وهذا يعني خسائر تقدّر بمئات الآلاف من الدولارات لعشرات العائلات التي كانت تعتمد على هذه الأشجار كمصدر رزق أساسي.

وهذه الخسائر ليست طارئة، إنها تهدّد استمرارية الحياة في هذه القرى، وتجبر الأسر على النزوح بحثاً عن لقمة العيش. وعندما يفقد المزارع أرضه ومصدر رزقه، يضطر تحت ضغط الحاجة إلى ترك قريته والهجرة إلى المدن أو الخارج، مما يحقّق لـلإسرائيليين هدفاً استراتيجياً: تفريغ الجنوب من سكانه الأصليين.

انتهاك صارخ للقانون الدولي

تثير هذه الأفعال أسئلة قانونية خطيرة؛ فالمادة 8(2)(ب)(رابع) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعتبر جريمة حرب أيّ هجوم يُشنّ “مع العلم بأنّ هذا الهجوم سيسبّب خسائر بشرية أو إصابات بين المدنيين أو أضراراً للممتلكات المدنية أو أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة للبيئة الطبيعية، والتي تكون مفرطة بالنسبة للميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقّعة”.

كما أنّ هناك حركة دولية متنامية تطالب بالاعتراف بـ”الإبادة البيئية” (Ecocide) كجريمة دولية خامسة إلى جانب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعدوان. وقد اتهم لبنان رسمياً “إسرائيل” بارتكاب إبادة بيئية في البلاد منذ عام 2023.

وبموجب القانون الدولي الإنساني، فإنّ استهداف الممتلكات المدنية، بما في ذلك الأراضي الزراعية، محظور. كما أنّ استخدام الفوسفور الأبيض  في المناطق المأهولة يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي. وقد أعلنت بلدية يارون أنها ستقدّم أدلة على الدمار إلى الأمم المتحدة، متهمة “إسرائيل” باستهداف ليس المنازل فحسب، بل أيضاً البيئة والتراث الثقافي والحياة الزراعية في جنوب لبنان.

صمود رغم الدمار

ورغم حجم الكارثة، يظلّ صمود أهل الجنوب عنواناً بارزاً في مواجهة هذا العدوان، فقد أكد رئيس بلدية يارون تمسّك السكان بأرضهم وحقهم في العودة وإعادة الإعمار، رغم حجم الدمار الذي لحق بالمنازل والأراضي الزراعية. وفي كلماته، التي تحمل نبرة تحدٍ وإصرار، قال إنّ النيران “لم تفرّق بين بساتين الزيتون للمسيحيين وتلك للمسلمين”، مؤكداً أنّ الدمار “يمسّ كلّ الجنوب: أرضه، شعبه، ثقافته، كرامته وتاريخه”.

هذه الوحدة في مواجهة العدوان، وهذا التمسّك بالأرض رغم كل شيء، هو ما يجعل مشروع تهجير الجنوب فاشلاً، مهما بلغت وحشية الآلات الحربية. شجرة الزيتون التي أحرقتها “إسرائيل” بالفوسفور الأبيض ستنمو مرة أخرى، وسوف تزهر وتثمر. تلك الأرض المكرّسة سترفض أي محتل مهما طال زمنه”.

في النهاية، فإنّ حرق أكثر من 120 هكتاراً من أشجار الزيتون المعمّرة في يارون، واقتلاع 600 شجرة في زوطر الشرقية، واستخدام الفوسفور الأبيض بشكل ممنهج، ليس مجرد فصول في حرب تقليدية. إنها جريمة ضد البيئة، وضد التراث، وضد الذاكرة الجماعية، وضد مستقبل الأجيال القادمة. إنها محاولة لتغيير جغرافية الجنوب وهويته، وتفريغه من سكانه، وطمس معالمه التاريخية.

لكن كما أثبت التاريخ، فإنّ الأشجار قد تحترق، والمنازل قد تُهدم، لكنّ الجذور تبقى في الأعماق. وشجرة الزيتون، رمز الصمود والتجذّر، ستعود لتزهر من جديد، كما سيعود أهل الجنوب إلى أرضهم، مهما طال الزمن، رافضين كل محاولات التهجير والطمس. إنّ هذه الجريمة، بتفاصيلها المؤلمة، ستضاف إلى سجل العدوان الإسرائيلي على لبنان، لكنها لن تنجح في محو هوية الجنوب أو كسر إرادة أهله. فالتاريخ يكتب بالدماء والأشجار معاً، وشجر الزيتون المعمّر سيبقى شاهداً على الجريمة، وعلى الصمود في آن واحد.

محمد الايوبي-الميادين

لتثبيت التطبيق على iPhone: اضغط مشاركة ثم إضافة إلى الشاشة الرئيسية.

🔔 تفعيل إشعارات صدى الضاحية

للدخول إلى الموقع وقراءة الأخبار، فعّل الإشعارات أولاً لتصلك آخر الأخبار.