مقالات
في عيد العمال … لا عمّال في الوطن!

لا عمّال في لبنان.
فالنموذج التنموي اللبناني أنهى قوة العمل لأنه يقوم على مبدأ تصدير الشباب إلى الخارج لاستقدام الدولارات.
وفي المقابل لا ينتج النموذج وظائف لائقة، ويعمل على تدمير ما تبقّى من مكتسبات للعمال مثل الضمان الصحي والاجتماعي، والحق في أيام إجازة.
هذا المشهد سيؤدّي إلى تضاعف عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً بين عامَي 2020 و2050 من نحو 765 ألفاً، أي 11.2% من السكان، إلى 1.7 مليون، أي 27.1% من اللبنانيين.
وخلال هذه الفترة، يتوقّع أيضاً انخفاض عدد الأشخاص الذين تراوِح أعمارهم بين 15 و24 سنة بنحو الثلث، وهؤلاء يمثّلون قوّة العمل.
أيضاً في لبنان الدولة، لا تعداد رسمياً للقوى العاملة، فالحكومة ترسم موازنات وتوحي بجدية لحلّ الأزمة المالية والمصرفية، فيما هي لا تعرف بشكل حقيقي عدد العمال على أراضيها، فضلاً عن جنسياتهم وتوزّعهم على القطاعات الإنتاجية.
بحسب آخر إحصاء لمديرية الإحصاء المركزي، يبلغ عدد العمال في لبنان مليوناً و800 ألف شخص، إلا أنّ هذا الرقم غير مُحدّث، ويعود لعام 2018.
ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، وصل عدد العمال في لبنان إلى مليونين و200 ألف شخص عام 2022.
ولكنّ هذا الرقم لا يشمل العمال السوريين والفلسطينيين والعمالة الآسيوية، والعاملات المنزليات، وهم يشكّلون قوّة عمل رئيسية في لبنان، خاصة مع الهجرة اللبنانية المستمرة.
وإن صحّت هذه الأرقام، فهي لا تمثّل عدد الأجراء الحقيقي وفقاً للباحث كمال حمدان.
لو حصل الخرّيج الجديد على وظيفة بعشرة آلاف دولار سنوياً، لاحتاج إلى 20 سنة لسدّ الاستثمار في تعليمه
ولا تشير إلى وضع القوة العاملة في لبنان ما بعد الانهيار المصرفي والنقدي، إذ هاجر عشرات الآلاف من الشباب المتعلّم.
ورحيل هؤلاء بالنسبة إلى حمدان «أدّى إلى تراجع ديموغرافي» دفعه إلى التشكيك في صحة رقم المليون و200 ألف شخص، على الرغم من أنّ بعض الدراسات تشير إلى وصول عدد القوى العاملة في لبنان إلى مليوني شخص.
بحسب دراسات حمدان، في لبنان 50 ألف خرّيج جامعي سنوياً، نصفهم يريدون السّفر من السنة الأولى لدخولهم سوق العمل.
والعامل الأهم في هجرة اللبنانيين هو البحث عن عمل، وفقاً لحمدان.
ويغذّي هذا التوجه «سلوك برجوازي مترسّخ مفاده أنّ العمل المأجور حقير».
يشرح حمدان نظرته بالتركيز على بنية الأجور المستغربة، إذ «يصرف الأهل قرابة 200 ألف دولار على تعليم الولد الواحد على مدى سنوات التعلّم كلّها، المدرسية والجامعية».
وعند دخول المتعلّم اللبناني سوق العمل يُواجَه إما بغياب فرصة العمل، وإما بالحصول على وظيفة لا تعطيه أجراً كافياً.
مثلاً، لو حصل الخرّيج الجديد على وظيفة بعشرة آلاف دولار سنوياً، لاحتاج إلى 20 سنة لسدّ الاستثمار في تعليمه، هذا ما يعزّز النظرة الدونية للأجور بحسب حمدان. بالتالي، هذه أحد أسباب تعاظم أسباب الهجرة إلى الخارج، فالمشاكل الداخلية في سوق العمل اللبنانية كثيرة، خاصة العلاقة الاستغلالية الطاردة للعمال من لبنان.
من جهة ثانية، يرى الوزير السابق شربل نحاس أنّ للهجرة مساهمة رئيسية في رفع الأسعار، وكلفة المعيشة والإنتاج قبل الانهيار المصرفي والنقدي.
ولا يرى نحاس أنّ الأسباب الكامنة خلف الهجرة هي اقتصادية بحتة، إذ «لا مجاعة في البلاد، بل محاولات لتحمّل كلفة المعيشة والإنتاج، دفعت الناس للبحث عن فرص عمل تؤمّن مردوداً في الخارج».
أما بعد الانهيار، فارتفعت الأسعار داخل لبنان بنسبة 80% عن مثيلاتها في الخارج من دون أيّ مبرّر، ما ولّد قناعة لدى شريحة من المجتمع بنهاية البلد وضرورة تأمين البديل.
لذا لا أرقام واضحة حول قوى العمل في لبنان. «حتى الضمان، والقليل الذي كان يعرفه لم يعد له أساس»، يقول نحاس، لأن التهرّب من الضمان الاجتماعي صار سمة من سمات الأعمال، إذ يستحوذ العمل غير النظامي على 60% من الوظائف في لبنان بعدما كانت حصّته قبل الأزمة تقتصر على 40% من الوظائف، بحسب أرقام البنك الدولي.
وفي لبنان، 180 ألف مؤسسة، نصفها مؤلّفة من موظف واحد (حانوتي)، في حين يعمل 50% من الأجراء في مؤسسات فيها أكثر من 50 عاملاً، ونسبة النظامية لدى هؤلاء أعلى بكثير.
وأكثر الأرقام تفاؤلاً حول نسبة الأجراء من مجمل القوى العاملة تقف عند 62%. وحتى هذا الرقم تفاصيله كثيرة، يقول حمدان، لأنّ نصف القوى العاملة في لبنان غير نظامية، ما يجعل من نسبة العاطلين عن العمل في لبنان غير واضحة أيضاً، وبحسب حمدان الذي يستند إلى أرقام الإحصاء المركزي، بلغ عدد العاطلين عن العمل 150 ألفاً عام 2018، ما نسبته 8% من عدد القوى العاملة.
لاحقاً، بعد الانهيار المصرفي والنقدي تحوّل تعداد العاطلين عن العمل في لبنان إلى «شلف»، وفقاً لحمدان، واستمرّ تكرار رقم 30%.
ولكن، «لا أعمال ميدانية موثّقة عن عدد القوى العاملة».
وفي حال بدأ العمل على تعداد العمال في لبنان، يتساءل عن مدى صحة الأرقام في حال لم تشمل العمال السوريين، والفلسطينيين الذين ينقسمون إلى جزءين، جزء مقيم في المخيّمات وآخر خارجها، فضلاً عن العمال والعاملات من جنسيات آسيوية والعمال في المنازل.
من جهته، يؤكّد شربل نحاس أن «لا إمكانية للحل من دون تعداد للقوى العاملة».
فالسلطة السياسية تعيش ما يشبه العمى، إذ «لا تعرف لا عدد العمال على أراضيها، ولا توزّعهم على القطاعات المنتجة، ولا مستويات الدخل وجنسياتهم».
ولا يستغرب نحاس هذا الإهمال، بالنسبة إليه «مسألة بأهمية الانهيار المالي والاقتصادي تنتهي بمفاوضات مع الصناديق الدولية».
فؤاد بزي – الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



