مقالات
بنصّ القانون.. هذه حرب لبنان لا «حرب الآخرين»

في 27 نيسان 2026، خاطب رئيس الجمهورية جوزيف عون اللبنانيين، واصفاً ما تخوضه المقاومة منذ 8 تشرين الأول 2023 بـ«حرب إسناد غزة» و«حرب إسناد إيران»، قبل أن يخلص إلى توصيفها بأنها «حرب الآخرين على أرضنا».
غير أنّ هذا التوصيف، مهما علا شأن من يطلقه، لا يرقى إلى قوة النص القانوني. ففي ميزان القانون اللبناني والدولي، لا يزال لبنان في حالة حرب، لم تنشئها فصائل أو أحزاب، بل أقرّها مجلس النواب اللبناني قبل نحو 78 عاماً، ولا تزال قائمة.
ووفق مبدأ هرمية القواعد القانونية (La hiérarchie des normes)، لا يملك خطاب سياسي أو بيان رئاسي صلاحية نقض قرار سيادي صادر عن السلطة التشريعية. فالوضع القائم، بحسب القانون اللبناني والدولي، هو استمرار لحالة قانونية لم تُلغَ.
وبالتالي، لا يمكن توصيف ما يجري بوصفه تطوّعاً أو تعاطفاً أو مغامرة، بل هو التزام قانوني نافذ، نشأ بقرار إعلان حرب صادر عن مجلس النواب، واستند إلى قرار مُلزِم من مجلس الأمن، وتكرّس في نص مكتوب ضمن اتفاقية رسمية وقّعتها الدولة.
كما أن تعاقب العهود لا يُسقِط مفاعيل القرارات المصيرية. فبموجب مبدأ استمرارية الدولة (Continuité de l›État)، تبقى الالتزامات التي أنشأتها الجمهورية اللبنانية عام 1948 قائمة ومُلزِمة لكل العهود اللاحقة، ما لم يصدر نص تشريعي صريح يُلغيها. وحتى الآن، لم تجتمع الجهة التي أصدرت ذلك القرار لإلغائه، رغم مرور ما يقارب ثمانية عقود.
يوم أعلنت الدولة الحرب
في 15 أيار 1948، عقد مجلس النواب اللبناني جلسة استثنائية، وقف خلالها رئيس الحكومة رياض الصلح ليعلن، وفق ما هو مُثبَت في محاضر المجلس، أن «معركة فلسطين هي معركة لبنان والشرق العربي بأسره، وأن الدفاع عن فلسطين هو في جوهره دفاع عن أمن لبنان وسيادته»، مؤكداً التزام لبنان بقرار الإجماع العربي وخوضه المعركة في إطار موقف جماعي عبر جامعة الدول العربية.
ولم يبقَ هذا الموقف في حدود الخطاب، بل تُرجِم بإجراء دستوري مكتمل الأركان.
فقد أقرّ المجلس بالإجماع اعتمادات مالية استثنائية تحت بند «نفقات جيش فلسطين»، تنفيذاً للمادتين 81 و83 من الدستور، اللتين تشترطان تفويضاً برلمانياً لأي التزام مالي كبير تتحمّله الدولة. وهنا تبرز دلالة جوهرية: في منطق الدستور، يشكّل إقرار المال شرطاً ملازماً لقرار الحرب.
ما جرى في ذلك اليوم، بصياغته القانونية، يمكن اختصاره بثلاثة سندات مترابطة أسّست لحالة الحرب اللبنانية:
الأول: سند برلماني، تمثّل في قرار مجلس النواب إقرار الاعتمادات، وهو ما يعادل، دستورياً، موافقة المجلس على قرار الحرب.
الثاني: سند تنفيذي، تجسّد في أوامر رئيس الجمهورية بشارة الخوري، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة (المادة 49)، إلى قيادة الجيش بقيادة الزعيم فؤاد شهاب.
الثالث: سند دولي، تمثّل في برقية جامعة الدول العربية المُسجّلة في أرشيف الأمم المتحدة تحت الرمز S/745، والتي قدّمت الإطار القانوني للتدخّل العسكري العربي.
ثلاثة سندات لم يُلغَ أيٌّ منها حتى اليوم. وفي القاعدة القانونية، لا يُلغى القرار إلا بقرار مماثل، ولا يُرفع التفويض إلا بتفويض مقابل.
بين الشرعية والمشروعية
لم يمضِ شهر على إعلان الدخول في الحرب حتى سجّل الجيش اللبناني، في معركة المالكية الثانية يومي 5 و6 حزيران 1948، إنجازاً ميدانياً لافتاً، إذ استعاد، بقيادة الزعيم فؤاد شهاب، المالكية، ثم قَدَس، ورامات نفتالي، وفتح الطريق نحو سهل الحولة جنوباً، واحتفظ بهذه المواقع طوال فصل الصيف.
لكن، في مرحلة الهدنة الأممية الأولى وما تلاها، اتُّخذ قرار سياسي غريب بسحب الجيش من الخطوط الأمامية وإعادة انتشاره إلى الخلف، واستبداله بمجموعات من المدنيين المسلّحين.
وكانت النتيجة شبه حتمية: بين 28 و31 تشرين الأول 1948، شنّ الكيان الإسرائيلي عملية «حيرام» بأربعة ألوية بقيادة موشيه كرميل.
في غياب مقاومة نظامية، سقطت خلال أيام قرى حدودية عدة، منها رميش، عيترون، ميس الجبل، حولا، مركبا، بليدا، مارون الرأس، عيتا الشعب، علما الشعب، يارون، دبل وعين إبل، وتذكر بعض المصادر أن العدد بلغ نحو 15 قرية.
«الإسناد» لا يُعدّ خروجاً عن القانون الدولي بل يمكن إدراجه ضمن تطبيقاته
في تلك اللحظة تكرّس نمط تأسيسي لم يتبدّل حتى اليوم: يحقّق الجيش تقدّماً، فتقرّر السياسة الانسحاب. وبعد سنوات، تعود السلطة لتصف المقاومة التي ملأت الفراغ بأنها «خارجة عن القانون».
هنا يتبدّى الفارق بين «المشروعية الإجرائية» (Légalité)، التي تتذرّع بها السلطة لتعطيل فعل الدفاع، و«الشرعية» (Légitimité) المستمدّة من الإطار التأسيسي للدولة ومن إرادة الشعب في حماية وجوده.
وعندما تتعطّل الأولى، لا تسقط الثانية، بل تبقى مرجعاً يُحاكَم بمقتضاه ما أُهمل أو أُجهض من واجب الدفاع.
وفي سياق راهن يُعاد طرح الإشكالية نفسها. في 2 آذار 2026، طلب قائد الجيش إذناً من مجلس الوزراء للتصدّي للتوغّلات الإسرائيلية في الجنوب، إلا أن الطلب رُفض.
وفي نيسان من العام نفسه، هُدِّد الجيش بالتعرّض للقصف في حال تحرّكه لإنقاذ جرحى تحت الأنقاض. الجيش مُستعِدّ، ضباطه وجنوده كذلك، لكنّ القرار السياسي لا يزال يحول دون ترجمة هذه الإرادة إلى فعل.
اتفاقية الهدنة
في 23 آذار 1949، وقّع لبنان في رأس الناقورة «اتفاقية هدنة». لم تكن هذه وثيقة ثنائية معزولة، بل كانت جزءاً من إطار إقليمي متكامل ضمّ أربع اتفاقيات هدنة (مصر في 24 شباط، لبنان في 23 آذار، الأردن في 3 نيسان، وسوريا في 20 تموز)، جميعها صدرت استناداً إلى قرار واحد لمجلس الأمن هو القرار 62 في 16 تشرين الثاني 1948، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أي أعلى مرجعية إلزامية في النظام الدولي.
وردت كلمة «فلسطين» ثلاث مرات في ديباجة الاتفاقية اللبنانية، وحدّدت الهدف بـ«تسهيل الانتقال من المهادنة الحالية إلى سلم دائم في فلسطين»، كما تنص على أن «إقامة الهدنة بين قوات الفريقين المسلّحة خطوة لا بدّ منها في سبيل تصفية النزاع المسلح وإعادة السلم إلى فلسطين».
غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت طبيعة الكيان الذي يحاول عتاة العالم اليوم تصويره كجار سلام، إذ سجّلت لجنة الهدنة المشتركة، بين عامي 1949 و1967، أكثر من 7500 شكوى لبنانية رسمية تتعلق بخروقات وانتهاكات لم تتوقّف.
وعليه، فإن العلاقة بين لبنان وفلسطين، في هذا السياق، لا تُختزل باعتبارات عاطفية أو سياسية، بل تستند إلى نص قانوني مُلزِم، ورد في وثيقة موقّعة باسم الدولة اللبنانية، وضمن إطار قرار دولي لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.
عجلة لا تدور إلى الخلف
ما يُعرف في فقه القانون العام بـ«أثر الترباس» (L’effet cliquet) هو قاعدة راسخة مفادها أن الحقوق المُكرّسة بنصّ ذي قيمة دستورية لا يمكن الانتقاص منها بقرار حكومي، ولا باتفاق دبلوماسي، ولا حتى بصياغة في وثيقة. فحقّ المقاومة – كما تأسّس مع إعلان الحرب عام 1948، وتعزّز في الميثاق العربي لحقوق الإنسان (ولا سيما في مواده 2 و43 و44)، وكرّسه القانون الدولي – عجلة تدور في اتجاه واحد. هذا منطق القانون، لا منطق السياسة.
وفي هذا السياق، لم يعد قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 مجرّد قانون عادي يمكن تعطيله أو تجميده بقرار إداري، بل اكتسب، بفعل ارتباطه بالمادتين 43 و44 من الميثاق العربي، بُعداً يتصل بمنظومة حقوق ذات قيمة دستورية. وبالتالي، فإن المساس به لا يقتصر على مخالفة قانون عادي، بل يثير إشكالية دستورية أوسع.
أمّا على مستوى القانون الدولي، فحتى بمعزل عن إعلان 1948 واتفاقية 1949، توفّر النصوص الدولية أساساً قانونياً واضحاً.
فقد نصّ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2625 على حقّ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في «السعي إلى الدعم وتلقّيه» في إطار كفاحها لتقرير المصير، وأعاد قرار 3314 بشأن تعريف العدوان تأكيد هذا المبدأ.
كما اعتبر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 (المادة 1/4) أن نضال الشعوب ضدّ الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العنصرية يندرج ضمن «النزاعات المسلّحة الدولية».
بذلك، فإن «الإسناد» لا يُعدّ خروجاً عن القانون الدولي، بل يمكن إدراجه ضمن تطبيقاته، ومن يجرّمه يخالف القانون، وليس من يمارسه.
من يملك إلغاء الحرب؟
حالة الحرب التي أنشأها مجلس النواب في 15 أيار 1948 لا يُنهيها إلا مجلس النواب نفسه. لا رئيس الجمهورية، ولا رئيس الحكومة، ولا مجلس الوزراء مجتمعاً، ولا أيّ جهة خارجية.
فبموجب مبدأ موازاة الصيغ (Parallélisme des formes)، وهو من القواعد الراسخة في القانونيْن الإداري والدستوري، لا يُلغى ما أُنشئ بصيغة مُعيّنة إلا بالصيغة ذاتها. وبغياب قرار مضاد يصدر عن الجهة نفسها وبالأصول نفسها، يبقى الإعلان قائماً، وتبقى الالتزامات المترتّبة عليه نافذة، ويظل ما يُسمّى «إسناداً» امتداداً لحالة قانونية مستمرة.
كما أن الاتفاقية التي علّقت القتال لم تُنهِ حالة الحرب، بل جمّدت العمليات العسكرية فحسب، وربطت هذا التعليق بشرط واضح: الوصول إلى تسوية سلمية في فلسطين. وما دامت هذه التسوية لم تتحقّق، تبقى الاتفاقية سارية، ويبقى الالتزام قائماً.
ومن هنا، فإن من يعلن أنّ لبنان «ليس في حالة حرب» يتجاوز، قصداً أو عن غير قصد، صلاحيات محصورة دستورياً بمجلس النواب. وكذلك، فإن توصيف «الإسناد» بأنه «حرب الآخرين» ينطوي عملياً على إلغاء إعلان حرب صادر عن السلطة المُختصّة منذ 78 عاماً.
ومن يطلب من المقاومة وقف «الإسناد»، عليه أن يبدأ من المرجعية الدستورية الصحيحة: مجلس النواب، حيث صدر إعلان الحرب أساساً. فإذا قرّر المجلس، وبالأصول نفسها، إلغاء ذلك الإعلان، عندها فقط يمكن توصيف ما يجري بأنه «حرب الآخرين». أمّا في غياب هذا الإلغاء، فتبقى الحالة قائمة بوصفها امتداداً لحرب لم تنتهِ، بكل ما يترتّب عليها من دلالات ونتائج.
مجتبى الحسيني-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



