“SHI ع MTV” .. النمط الشيعي الذي تُريده الـ”MTV”
مقالات

“SHI ع MTV” .. النمط الشيعي الذي تُريده الـ”MTV”

28/07/202607:56:00

يقدّم القائمون على برنامج “SHI ع MTV” عملهم بوصفه “محتوى كوميديًا اجتماعيًا” يلتقط تفاصيل الحياة اليومية في لبنان، ويعالجها بأسلوب ساخر يحمل رسائل اجتماعية”.

إلا أن متابعة الحلقات الثلاث الأولى تكشف أن الكوميديا لا تتحرك في جميع الاتجاهات بالقدر نفسه، بل تبدو متمركزة حول بيئة اجتماعية محددة، تتكرر في معظم “الاسكتشات” عبر الأسماء نفسها، واللهجة نفسها، والرموز نفسها، وصولًا إلى الصفات نفسها. 

بكل بساطة، لا يُهمل البرنامج صفة من الصفات التي تُقدَّم من خلالها البيئة الشيعية بوصفها بيئة متخلّفة أو رجعية أو خارجة عن القانون والمنطق والأدب إلا ويستثمرها في بناء مادته الكوميدية.

فالسارق هو “علي”، والمصاب بداء الجرب هو “خليل”، أما الطفل الذي لا يعيش طفولته، بل يُقدَّم على أنه منشغل بالسلاح، فهو “حسين”.

والمكان الذي سيصوّر فيه مشهد سرقة هو “الضاحية الجنوبية”. ولا تبدو هذه الأسماء  اختيارًا عابرًا داخل سياق درامي منفصل، بل تتكرر ضمن شخصيات تنتمي إلى البيئة الاجتماعية نفسها، بما يجعلها تحمل دلالات تتجاوز حدود النكتة الواحدة.

ولا يقتصر الأمر على الأسماء، بل يمتد إلى اللهجة واللباس والمفردات والرموز المستخدمة، التي تُوظَّف باستمرار للإشارة إلى بيئة بعينها، قبل أن تُربط هذه البيئة بسلسلة من الصفات السلبية، كالعنف، والجهل، ومخالفة القانون، والانفعال، وضعف الذوق العام.

ومع تكرار هذا النمط عبر أكثر من “اسكتش”، لا يعود المشاهد أمام شخصيات فردية تختلف في طباعها وسلوكها، بل أمام صورة واحدة يعاد إنتاجها بأشكال متعددة.

وفي الواقع، ليست المرة الأولى التي تعمد فيها “الإم تي في” وقنوات تدور في فلكها إلى تقديم صورة “البيئة الشيعية” بهذا الشكل، وتنميطها بكافة الصفات السلبية، وكأنّ هناك غرفة عمليات واحدة تأتي استكمالًا للحرب “الإسرائيلية” التي تشن على الشيعة في لبنان.

وهي حرب لا تقل خبثًا وإجرامًا عن الحرب العسكرية، فتقدّم قناة “آل المر” النموذج الشيعي كما تريده، وكما تتمناه، وكما تحلم، متجاهلة كافة النماذج المشرّفة والمميزة داخل هذه البيئة.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الكوميديا: هل يكتفي البرنامج بعكس الواقع الاجتماعي، أم أنه يعيد تشكيله أمام المشاهد؟ أين المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تتحلى بها القناة؟ ففي النظريات الحديثة لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تقديم الترفيه.

إنه مؤسسة اجتماعية تتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه المجتمع. وتنطلق نظرية المسؤولية الاجتماعية من مبدأ أن حرية وسائل الإعلام تقترن بالتزامها باحترام التعددية. المطلوب تقديم محتوى يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، ويبتعد عن تكريس الصور النمطية أو إنتاج الخطابات التي قد تؤدي إلى التمييز أو الانقسام بين مكونات المجتمع.

فالإعلام، وفق هذه النظرية، لا يُقاس فقط بقدرته على جذب الجمهور أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، بل أيضًا بمدى التزامه بخدمة الصالح العام والمحافظة على كرامة الأفراد والجماعات.

ومن هذا المنطلق، يكتسب تحليل البرامج الكوميدية أهمية خاصة، لأن الكوميديا ليست بمنأى عن المسؤولية الإعلامية، بل تُعد إحدى الأدوات المؤثرة في تشكيل اتجاهات الجمهور وصوره الذهنية عن الفئات الاجتماعية المختلفة.

وعندما تتحول السخرية إلى نمط متكرر يستهدف جماعة بعينها، تصبح مسألة تقييم المحتوى مرتبطة بمدى انسجامه مع المبادئ التي تطرحها نظرية المسؤولية الاجتماعية.

وفي الحقيقة، يبدو مضمون البرنامج وهويته بعيدة كل البعد عن النبذة التي قدّمت للتعريف عنه. فاسم البرنامج الملغوم والذي يثير التباسًا مقصودًا، ليس المقصود به أن تشاهد شيئًا على قناة “إم تي في”، بل “شيعة على قناة إم تي في”، حيث يكشف مضمون الحلقات أن محور السخرية المتكرر هو البيئة الشيعية في لبنان لتصويرها كتلة من الآفات الاجتماعية، في سرد بعيد كل البعد عن الواقع الذي لا داعيَ لسرده.

ولا يتسع المقال لتذكير القائمين على قناة “الام تي في” من هو السارق الحقيقي، وكيف سرق رئيس مجلس إدارة قناة MTV ميشال غبريال المر المال العام والمفصّل بالأرقام والوثائق في مقال أعده موقع العهد قبل سنوات ويمكن الاطلاع عليه عبر الرابط اضغط هنا .

ولا يقف هذا الاستنتاج، بخروج القناة عبر برنامجها المذكور عن قواعد وأخلاقيات المهنة الإعلامية، عند حدود الانطباع، بل يستند إلى قراءة منهجية لعيّنة من “اسكتشات” الحلقات الثلاث الأولى، تكشف كيف تُبنى الصورة النمطية عبر الشخصيات والأسماء والحوارات والمشاهد.

وهذا ما نتناوله بالتفصيل في الجزء الثاني، من خلال قراءة تحليلية للمحتوى ترصد الأنماط المتكررة في بناء الشخصيات والرسائل، وتكشف الآليات التي اعتمدها البرنامج في ترسيخ هذه الصورة وإعادة إنتاجها.

فاطمة سلامة- العهد

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24