من مخاطر الانقسام إلى بناء المشروع الوطني اللبناني
مقالات

من مخاطر الانقسام إلى بناء المشروع الوطني اللبناني

28/07/202609:02:59

في ظل الأزمة العميقة التي يعيشها لبنان، والانقسام الحاد على أكثر من مستوى، تبدو الحاجة ملحّة إلى تقديم مقاربات جديدة، تنطلق من زوايا مختلفة لمعالجة عدد من العناوين الأساسية، وفي مقدمتها أربعة ملفات رئيسية.

أولاً: تصحيح النقاش الداخلي بشأن الخيارات

في الوقت الذي يُراد فيه تصوير أحد أوجه الانقسام في لبنان على أنه خلاف بين خيارين: خيار المقاومة من جهة، وخيار المفاوضات من جهة أخرى، يتبيّن، من خلال دراسة معمقة، أن التركيز على هذا التناقض يتناول الفروع لا الأصول. فالمسألة الجوهرية التي ينبغي أن تكون محور النقاش هي كيفية النظر إلى “إسرائيل”.

في لبنان، هناك فريق يعتبر “إسرائيل” شراً مطلقاً، ويرى أن التعامل معها محرّم، وفق الرؤية التي أسس لها الإمام السيد موسى الصدر. وفي المقابل، يوجد تيار تاريخي يعتبر أنه لا توجد مشكلة مع “إسرائيل”، وأن التعايش معها ممكن، بل يذهب بعض المنتمين إليه إلى تبني مشروع متكامل يقوم على التعامل معها بوصفها كياناً طبيعياً في المنطقة.

ويستدعي هذا الواقع البحث عن آلية لحسم هذا النقاش، وهي آلية يوفرها اتفاق الطائف، الذي يشكل نقطة إجماع لدى غالبية اللبنانيين، ويمثل أحد أهم مرتكزات اللغة الوطنية المشتركة. فقد حسم اتفاق الطائف هذه المسألة عام 1989، عندما أكد أن “إسرائيل” عدو، وأن لبنان عربي الهوية والانتماء، ونص على العمل من أجل تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة من العدو الإسرائيلي.

ثانياً: الاتفاق على تشخيص التهديد الذي يواجه لبنان

المسألة الثانية التي ينبغي التوافق عليها هي تشخيص طبيعة التهديد الذي يواجهه لبنان، وهو تهديد كبير يرتقي إلى مستوى التهديد الوجودي.

فلبنان، الذي نشأ بصيغته الاستقلالية عام 1943، ووصفه البابا يوحنا بولس الثاني بأنه “رسالة” ونموذج للعيش المشترك، يواجه اليوم تحديات تمس وجوده ودوره. وتُعد الولايات المتحدة الأميركية أحد أبرز مصادر هذا التهديد، في ضوء سلسلة من المؤشرات التي عكست غياب أي حرص أميركي على لبنان بوصفه وطناً وكياناً مستقلاً.

فقد تحدث الموفد الأميركي توم برّاك عن إمكان أن يكون لسوريا دور في معالجة المسألة اللبنانية، كما انتقد نظام الحدود الذي أفرزته اتفاقية “سايكس – بيكو”، واعتبر أنه أخفق في تحقيق الاستقرار في المنطقة. وهو ما يُفهم منه وجود توجه نحو إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية، بطريقة قد لا تصب في مصلحة لبنان بوصفه دولة مستقلة.

كما صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحات متكررة، مفادها أنه لا يرى مشكلة في أن يكون لسوريا دور في مواجهة حزب الله داخل لبنان، بل اقترح أن تتولى دمشق هذه المهمة، فيما أعلنت القيادة السورية رفضها أي تدخل عسكري في لبنان.

ويستحضر هذا الطرح تجربة ما بعد اتفاق الطائف، حين انتقلت الوصاية السورية على لبنان في ظل تفاهمات دولية، وهي مرحلة دفعت خلالها قوى لبنانية حليفة للولايات المتحدة أثماناً باهظة، وكان من أبرزها القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع.

إن تبني مقاربة من هذا النوع من شأنه أن يضعف موقع لبنان، ويجعله أكثر عرضة للضغوط والأطماع الخارجية، ولا سيما الإسرائيلية، بما يفتح الباب أمام احتمالات التوسع والاعتداء وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي مثل هذا الواقع، يكون المستفيد الأكبر هو العدو الإسرائيلي، الذي لم يخفِ تاريخياً أطماعه ومشاريعه تجاه لبنان.

ثالثاً: الانقسام الداخلي وخطره على هوية لبنان

يشكل الانقسام الداخلي في لبنان خطراً إضافياً يهدد هويته بوصفه “وطن الرسالة”. وما نشهده اليوم من محاولات لتجاوز أحد المكونات الأساسية في البلاد يُعد من أخطر مظاهر هذا الانقسام، لأنه يمس ركائز الكيان اللبناني، ويشكل تهديداً فعلياً لاستقراره ووحدته.

وقد جاء تبني جزء من السلطة اللبنانية “اتفاق الإطار” ليكرّس هذه المخاطر، وليشكل خطوة إضافية في اتجاه تقويض فكرة لبنان التي قام عليها الكيان. لقد منح الاتفاق، وفق هذه القراءة، شرعية للاحتلال الإسرائيلي، ووضع شريحة من اللبنانيين في خانة “العدو”، وأدخل لبنان في صلب مشاريع إقليمية ومصالح دولية متضاربة، بما يهدد وحدته الوطنية ويعمّق انقساماته الداخلية.

رابعاً: العودة إلى خطاب القسم والبيان الوزاري

من الضروري العودة إلى خطاب القسم والبيان الوزاري، باعتبارهما يشكلان صيغة متوازنة تضمنت مجموعة الأهداف التي يطالب بها طرفا الانقسام. فمن جهة، أكدا ضرورة تحرير الأراضي المحتلة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، والعمل على تحرير الأسرى، وتأمين عودة النازحين.

ومن جهة أخرى، شددا على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصرية قرار الحرب والسلم بيدها، وحصرية السلاح ضمن إطار الدولة. ويبقى أن تُنظّم هذه الأهداف، وأن يُدار الاختلاف بشأنها ضمن استراتيجية شاملة للأمن الوطني. وعليه، يمكن القول إن خطاب القسم والبيان الوزاري يوفران قاعدة صالحة للانطلاق نحو تأسيس مشروع وطني لبناني جامع.

إلا أن هذا المسار تعرض للتعطيل بعد اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، نتيجة استمرار “إسرائيل” في احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، ومواصلة الاعتداءات وعمليات التدمير والقضم، في ظل دعم أميركي حال دون تنفيذ بنود الاتفاق المتعلقة بالانسحاب ووقف الأعمال العدائية.

كما تراجع رئيس الجمهورية عن الالتزام الذي أعلنه بشأن إطلاق استراتيجية الأمن الوطني. ثم جاءت الحرب الأميركية – الإيرانية، وبرز مسار إسلام آباد بوصفه خياراً مؤثراً وفاعلاً في إدارة الأزمة.

غير أن السلطة اللبنانية لم تُحسن استثمار هذه الفرصة لتحسين موقع لبنان التفاوضي، بما يضمن تحقيق القضايا الأساسية الواردة في مذكرة التفاهم، وفي مقدمتها وقف الحرب وصون سيادة لبنان ووحدة أراضيه وإنهاء العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية.

وتمثل هذه المرتكزات الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه مشروع وطني جامع. في المقابل، يُنظر إلى المسار الذي تقوده واشنطن على أنه يؤسس للبنان منزوع عناصر القوة، من خلال نزع سلاح المقاومة، ومنقوص السيادة، عبر تكريس واقع الاحتلال الإسرائيلي واستمراره.

الخلاصة

يتبين أن الاتفاق على الثوابت الوطنية، مثل هوية لبنان، وطبيعة التهديد الذي يواجهه، وأسس الوحدة الداخلية، وآلية بناء استراتيجية وطنية للأمن، هو من الشروط اللازمة لمعالجة الأزمة التي تزداد تعقيداً.

ومن دون هذا التوافق، ستبقى المبادرات كلها عرضة للتعثر، في مرحلة حساسة وخطيرة لا تحتمل تأجيل الحوار وبناء الجسور.

بثينة عليق – الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24