
مقالات ففي الحالتين، المستهدف هو أصل عسكري أميركي مشارك في الحرب؛ والاختلاف الوحيد هو أن أحدهما يتحرك في البحر، والآخر يتمركز في أرض سمحت حكومتها باستخدامها عسكرياً.
وعليه، عندما تكون قاعدة موجودة في دولة عربية جزءاً من سلسلة القيادة أو الإسناد أو الاستطلاع أو التزود بالوقود أو تنفيذ الهجوم، فإنها لا تبقى مجرد عقار مستأجر بعيد عن الحرب، بل تصبح حلقة تشغيلية فيها.
ليست حرباً على العرب.. بل على القواعد التي تُدار منها الحرب على إيران
تحاول بعض الحكومات ووسائل الإعلام العربية تسويق رواية تقول إن إيران تتعمّد استهداف الدول العربية ومنشآتها للضغط على الولايات المتحدة، بينما تتجنب ضرب القوات الأميركية أو “إسرائيل”.
غير أن هذه الرواية تقوم على خلط متعمّد بين المكان الذي يقع فيه الهدف وهوية الهدف ووظيفته العسكرية.
فالقاعدة الأميركية الموجودة على أرض عربية لا تتحول، لمجرد موقعها الجغرافي، إلى منشأة مدنية عربية. والطائرة الأميركية التي تقلع من مطار عسكري في الخليج الفارسي لضرب إيران لا تصبح طائرة عربية.
وكذلك الرادار الذي يرصد الأجواء الإيرانية، ومركز الاستخبارات الذي يزوّد القوات الأميركية بالمعلومات، ومستودع الوقود الذي يخدم الطائرات المهاجمة، ومركز القيادة الذي يدير العمليات؛ كلها تبقى جزءاً من الآلة العسكرية الأميركية، حتى لو كانت قائمة داخل حدود دولة عربية.
القاعدة في أرض عربية لا تفقد صفتها الأميركية. في الأحداث الأخيرة، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف مركز دعم عسكرياً أميركياً في معسكر عريفجان، ومنشأة رادار في قاعدة علي السالم بالكويت، وطائرات أميركية ومركزاً استخبارياً في قاعدة الشيخ عيسى في البحرين.
وقد أشارت وكالة رويترز إلى أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من النتائج، لكن المهم في مضمون الإعلان أن الأهداف التي سمّتها إيران كانت قواعد ومراكز عسكرية أميركية، لا مدناً عربية اختيرت بسبب هويتها العربية.
إذن، السؤال الصحيح ليس: لماذا سقط الصاروخ داخل دولة عربية؟ بل: ما طبيعة المنشأة التي وُجّه إليها الصاروخ، ومن يستخدمها، وما دورها في العمليات الجارية ضد إيران؟
إن ضرب مقر قيادة أميركي في الكويت، أو سرب طائرات أميركية في البحرين، ليس في جوهره مختلفاً عن ضرب سفينة حربية أميركية في الخليج الفارسي.
ففي الحالتين، المستهدف هو أصل عسكري أميركي مشارك في الحرب؛ والاختلاف الوحيد هو أن أحدهما يتحرك في البحر، والآخر يتمركز في أرض سمحت حكومتها باستخدامها عسكرياً.
لا يمكن فصل الجبهة عن القواعد التي تغذيها.
الحرب الحديثة لا تُخاض بالطائرة لحظة إلقائها القنبلة فقط. وراء كل غارة شبكة متكاملة من المطارات، والرادارات، والأقمار الصناعية، ومراكز القيادة والسيطرة، وطائرات التزوّد بالوقود، ومخازن الذخيرة، وورش الصيانة، ومراكز الاتصالات والاستخبارات.
القيادة المركزية الأميركية نفسها تعلن بصورة متواصلة تنفيذ ضربات داخل إيران، وتعرض وجود حاملات طائرات وقوات ومنصات جوية وبحرية منتشرة في نطاق عملياتها في الشرق الأوسط. وفي الأيام الأخيرة أعلنت إتمام سبع ليالٍ متتالية من الضربات على أهداف إيرانية شملت مواقع مراقبة وبنية لوجستية عسكرية ومستودعات أسلحة وقدرات بحرية.
وعليه، عندما تكون قاعدة موجودة في دولة عربية جزءاً من سلسلة القيادة أو الإسناد أو الاستطلاع أو التزود بالوقود أو تنفيذ الهجوم، فإنها لا تبقى مجرد عقار مستأجر بعيد عن الحرب، بل تصبح حلقة تشغيلية فيها.
ليس منطقياً أن تُقصف إيران انطلاقاً من محيطها الإقليمي، ثم يُطلب منها أن تتصرف وكأن مصدر الهجوم يقع حصراً داخل القارة الأميركية.
كما لا يمكن منح القوات الأميركية امتياز استخدام الأرض والمطارات والمياه الإقليمية العربية، ثم الادعاء بأن هذه القوات تتمتع بحصانة مطلقة لأنها اختارت الاحتماء داخل دولة عربية.
ماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة؟
تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا وقع عليها هجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن الإجراءات اللازمة.
وعندما تتعرض دولة لهجمات أميركية متكررة، فإن حقها في الدفاع عن نفسها لا يقتصر نظرياً على اعتراض الطائرات فوق حدودها، بل يمكن أن يشمل استهداف الوسائل والمنشآت العسكرية التي تشارك فعلياً في استمرار الهجوم، بشرط احترام الضرورة والتناسب وقواعد القانون الدولي الإنساني.
هذا لا يعني أن كل منشأة في دولة تستضيف قوات أميركية تصبح هدفاً مباحاً؛ بل يعني أن المنشأة التي تؤدي مساهمة فعلية في العمليات العسكرية يمكن أن تكتسب صفة الهدف العسكري.
فالقاعدة العرفية الثامنة في القانون الدولي الإنساني تعرف الهدف العسكري بأنه الشيء الذي يسهم، بطبيعته أو موقعه أو غرضه أو استخدامه، مساهمة فعالة في العمل العسكري، ويحقق تدميره أو تعطيله ميزة عسكرية مؤكدة في الظروف السائدة وقت الهجوم.
وبناءً على ذلك، فإن مدرجاً تُقلع منه الطائرات المهاجمة، أو راداراً يوجّه العمليات، أو مركز قيادة واتصالات، أو مخزناً يمد القوات الأميركية بالذخائر والوقود، يمكن أن يكون هدفاً عسكرياً مشروعاً من حيث المبدأ، بصرف النظر عن الدولة التي يوجد فيها.
ماذا عن مسؤولية الدول المضيفة؟
تطالب بعض الدول العربية بأن تُعامل كدول محايدة، لكنها في الوقت نفسه تستضيف قواعد وقوات أميركية وتسمح باستخدام منشآتها في عمليات عسكرية إقليمية.
قانون الحياد التقليدي لا يقوم على مجرد إعلان الحياد، بل على منع استخدام إقليم الدولة المحايدة في الأعمال القتالية. وتنص اتفاقية لاهاي الخامسة على أن الدولة المحايدة لا يجوز لها السماح بأعمال معينة لمصلحة أحد أطراف الحرب على أراضيها، بما فيها عبور القوات أو القوافل العسكرية وإقامة منشآت .
لذلك، يصعب سياسياً وقانونياً الجمع بين القول: «لسنا طرفاً في الحرب»، وبين السماح لقوة أجنبية باستخدام الأرض والأجواء والقواعد والمعلومات واللوجستيات في شن الحرب.
وهذا لا يعني تلقائياً أن الدولة المضيفة تصبح طرفاً في النزاع بمجرد وجود قاعدة قديمة على أراضيها؛ فالمسألة تعتمد على مقدار المشاركة الفعلية، وطبيعة التسهيلات، وما إذا كانت القاعدة استُخدمت حقاً في الهجمات.
لكنه يعني أن على كل دولة تريد حماية أراضيها وشعبها أن تمنع استخدامها منصة لضرب دولة أخرى، لا أن تسمح باستخدامها عسكرياً ثم تطالب الخصم باعتبارها مساحة محايدة مقدسة.
الادعاء بأن إيران لا تستهدف “إسرائيل” غير صحيح. والقول إن إيران تتجنب “إسرائيل”، يناقض الوقائع المعلنة. فقد وثقت رويترز خلال مارس/آذار 2026 موجات من الصواريخ الإيرانية باتجاه تل أبيب وحيفا وديمونا ومدن “إسرائيل”ية أخرى، وذكرت أن بعض الصواريخ اخترق الدفاعات الإسرائيلية. كما أعلنت “إسرائيل” مراراً رصد صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه أراضيها.
كما أن القول إن إيران لا تواجه القطع أو المصالح البحرية الأميركية لا يستقيم مع تحول مضيق هرمز والخليج الفارسي إلى ساحة مواجهة مباشرة، حيث أعلنت واشنطن فرض حصار بحري واعتراض سفن، بينما أعلنت إيران استهداف سفن قالت إنها خرقت إجراءاتها الملاحية.
ووصفت رويترز التطورات الأخيرة بأنها مواجهة استهدفت فيها الولايات المتحدة وإيران حركة السفن والملاحة البحرية.
قد يُناقش المرء مدى نجاح الضربات الإيرانية أو دقتها أو تأثيرها، لكن الزعم بأنها امتنعت عن استهداف “إسرائيل” والقوات الأميركية وتفرغت لمهاجمة العرب زعم لا تؤيده الوقائع.
بين الاستهداف المتعمد والأضرار الجانبية
الرواية العربية تقلب السبب والنتيجة..المشكلة في الخطاب السائد أنه يبدأ روايته عند لحظة سقوط الرد الإيراني، ويتجاهل ما سبقها: وجود القوات الأجنبية، واستخدام القواعد، والغارات على الأراضي الإيرانية، والحصار البحري، واستهداف البنية التحتية الإيرانية.























