إيران تستعدّ لاحتمال الغزو البري
مقالات

إيران تستعدّ لاحتمال الغزو البري

18/07/202606:31:42

لم تصمد مذكرة تفاهم إسلام آباد أكثر من شهر، قبل أن تَدخل مساراً متسارعاً من الانهيار، عنوانه محاولة الولايات المتحدة تفريغ الاتفاق من مضمونه، وفرض وقائع جديدة عبر القوة العسكرية، ولا سيما في مضيق هرمز. وانطلاقاً من دروس التجربة السابقة، وبمجرّد أن لمست إيران محاولات أميركية لسحب الورقة الردعية الاستراتيجية الإيرانية المتمثّلة بالمضيق، عبر إحداث ممرّ جنوبي بعيداً من النفوذ الإيراني، عدّت ذلك مساساً مباشراً بجوهر التفاهمات التي جرى التوصل إليها، ثمّ لم تتأخّر في الانتقال إلى استخدام القوة العسكرية، في محاولة لمنع تثبيت واقع استراتيجي جديد يقلّص من قدرتها على التأثير في التوازنات العسكرية والأمنية في المنطقة.

ومع تجدّد تبادل إطلاق النار، بدأت الولايات المتحدة تركيز عملياتها العسكرية في اتجاه إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية المنتشرة على امتداد الساحل المطلّ على مضيق هرمز، ولا سيما في منطقتَي جاسك وسيريك، اللتَين تنظر إليهما الدوائر العسكرية الأميركية باعتبارهما مركز الثقل الإيراني في تعطيل المسار الجنوبي للمضيق، القريب من السواحل العمانية. ومن هنا، تتعامل إيران مع الضربات التي تستهدف شبكات السكك الحديدية والجسور المؤدّية إلى بندر عباس على أنها جزء من محاولة لعزل المدينة، التي تمثّل مركزاً لوجستياً وعسكرياً بالغ الأهمية. ففي الوقت الذي تبرّر فيه واشنطن هذه العمليات بأنها تهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد العسكرية، تراها طهران مرحلة أولى في استراتيجية أوسع تمتدّ من بوشهر والأهواز غرباً إلى تشابهار على بحر العرب قرب الحدود الباكستانية غرباً، وهو ما يعني توسيع نطاق الضغط العسكري على كامل الساحل الجنوبي الإيراني.

وفي التقدير العسكري الإيراني، فإن اتساع رقعة الهجمات يمثّل تمهيداً نارياً قد يسبق عمليات برية محدودة أو واسعة، حتى وإن كانت احتمالاتها لا تزال منخفضة. ولذلك، تعمل القيادة العسكرية الإيرانية على دراسة مختلف السيناريوات الممكنة، وفي مقدمها احتمال تنفيذ إنزال على بعض الجزر الواقعة في مضيق هرمز، وعلى رأسها جزيرة أبو موسى، أو محاولة التقدّم نحو بعض الشواطئ الإيرانية في المناطق الأقلّ تحصيناً.

كذلك، تشير التقديرات الإيرانية إلى إمكانية أن يكون جنوب شرق البلاد، ولا سيما إقليم سيستان وبلوشستان، هدفاً محتملاً لأي تحرّك بري، نظراً إلى طبيعته الصحراوية المفتوحة مقارنة بالمناطق الجبلية أو الساحلية المحصّنة. وفي حال التفكير في التقدّم نحو منطقة جاسك، فإن هذا السيناريو، وفق الرؤية الإيرانية، يتطلّب اقتراباً متزامناً للقطع البحرية الأميركية من بحر عُمان، وهو ما يعني احتمال الانتقال إلى مواجهة بحرية مباشرة، تضع القطع البحرية الأميركية بشكل خطير في مرمى النيران البحرية الإيرانية.

ورغم أن طهران ترى أن أيّ عملية إنزال واسعة ستواجه تحدّيات لوجستية معقّدة، نظراً إلى أن القوات المهاجمة ستكون مضطرّة إلى البقاء على الأرض لفترات طويلة، الأمر الذي يجعلها عرضة للاستنزاف المستمر، إلا أن وجود نحو 50 ألف جندي أميركي منخرطين في العمليات العسكرية في المنطقة، يدفع القيادة العسكرية الإيرانية إلى التعامل مع جميع الاحتمالات بجدّية عالية جداً. ومع ذلك، ترى هذه القيادة أن حجم الضربات الحالية لا يرتقي إلى مستوى التمهيد الناري التقليدي الذي يسبق عمليات إنزال برية واسعة؛ إذ إن العقيدة العسكرية المعروفة تقتضي تنفيذ ضربات أكثر كثافة واتساعاً لتدمير البنية الدفاعية وإضعاف القدرة على المقاومة، قبل الدفع بالقوات البرية.

في موازاة ذلك، تضع طهران في حسبانها احتمالاً آخر لا يقلّ أهمية عما سبق، ويتمثّل في استخدام قوات غير نظامية أو مجموعات مسلّحة معارضة، قد تُدفَع إلى الدخول عبر الجنوب الشرقي للبلاد، مع توفير غطاء جوي ودعم استخباراتي لها. ووفق هذا السيناريو، تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أهداف ميدانية من دون تحمّل الخسائر البشرية والسياسية التي قد تنتج من زجّ قواتها مباشرة في ميدان المعركة. وإلى جانب الاحتمال المتقدّم، تُطرح فرضية تحريك مجموعات كردية عبر المناطق الغربية، انطلاقاً من كردستان وإيلام وصولاً إلى الأهواز، وهو ما يفتح أكثر من جبهة داخلية في وقت واحد، ويضع القوات الإيرانية أمام تحدّيات متزامنة تستهدف تشتيت قدراتها الدفاعية.

وفي خضمّ هذه الحسابات، يبدو أن القيادة العسكرية الإيرانية تنسّق بصورة كاملة مع نظيرتها السياسية والفريق الدبلوماسي؛ إذ أعلنت القوات المسلحة استعدادها لوقف العمليات العسكرية فور التزام الولايات المتحدة ببنود مذكرة التفاهم، وفي مقدّمها الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز، ورفع الحصار البحري. غير أن تلك الرسائل لا تعكس وجود قناعة داخل المؤسسة العسكرية بإمكانية العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات؛ فالشكوك لا تزال قائمة تجاه النوايا الأميركية، في حين لا يُفعل العامل الإسرائيلي الذي قد يستغلّ أيّ تهدئة أو فراغ ميداني، لتنفيذ عمليات مفاجئة من شأنها توسيع دائرة المواجهة.

هكذا، وبينما تُبقي طهران الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية، فإنها في الوقت نفسه تبني خططها العسكرية على فرضية أن التصعيد قد يتواصل، وأن جميع السيناريوات، من الضربات الجوية، إلى المواجهة البحرية، وصولاً إلى احتمالات الإنزال أو الحرب غير النظامية، تبقى مطروحة على الطاولة. وإذ لا تمتلك الولايات المتحدة، رغم تفوّقها العسكري، القدرة على تحقيق حسم ميداني نهائي، فإن من شأن ذلك أن يجعل المواجهة مفتوحة على استنزاف طويل لا تريده إيران ولن تقبل به؛ وبالتالي، فهي ستعمل على تصعيد الموقف في اتجاهات أخرى أكثر تطرفاً، قد تتخطّى مضيق هرمز نحو باب المندب والبحر المتوسط.

حسن حيدر – صحيفة الأخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24