كيف تحول وجه الاستيطان من الزحف إلى النسف؟
مقالات

كيف تحول وجه الاستيطان من الزحف إلى النسف؟

18/07/202608:08:37

سنوات طويلة من الضم والاستيطان الزاحف في الضفة الغربية، بيد أن الاتفاق الذي وقع مؤخراً، نسف نظرية الزحف، في سبيل الوصول إلى ما يمكن وصفه بـ”النسف الجغرافي والسياسي” للقضية الفلسطينية، ونسف خطة شارون عام 2005 التي قضت في حينها بفك الارتباط والانسحاب من شمال الضفة الغربية، ونسف القوانين الدولية التي تقر بأن الاستيطان في الضفة الغربية غير قانوني.

إذ تعتبر الأمم المتحدة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.

اتفاقٌ وُصف بأنه الأول من نوعه، وُقع بين حكومة الاحتلال ومجلس مستوطنات الضفة الغربية، لبناء 12ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة في شمال الضفة الغربية، بتكلفةٍ وصلت إلى ما يزيد عن ثمان مليار شيكل تشمل تطوير وتوسيع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، وشق طرق وشوارع استيطانية واصلة بين المستوطنات، وكذلك بناء المستوطنة رقم 104 في شمال الضفة الغربية، حيث وصل عدد المستوطنات إلى 103 منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية، السلطة في نهاية عام 2022.

من بين من حضر هذا التوقيع التاريخي بالنسبة لرؤساء حكومة الاحتلال، وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش الذي قال بأن هذا الاتفاق “ثورة استيطانية”، أما رئيس حكومة الاحتلال قال إن هذا الاتفاق ُيشكل “سقفُ حماية للدولة”.

ولم يكن رأي وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس جديداً، إذ أكد أن الاستيطان هو “عصب الأمن” لكيان الاحتلال، فيما وصفه الإعلام العبري بأنه “خطوة عملاقة” تهدف إلى توسيع المستوطنات و”تغيير وجه المنطقة”.
هذه التصريحات لا تعبر عن خلاف سياسي داخلي حول حجم الاستيطان أو حدوده، بل عن توافق حكومي على توسيعه وتسريع وتيرته وربطه بمفاهيم الأمن والسيادة لكيان الاحتلال.

فما هو الجديد في هذا الاتفاق ؟ ولماذا قوبل بهذا الاحتفاء من قبل مسؤولي حكومة الاحتلال ؟
لسنوات طويلة اعتمد المشروع الاستيطاني على التوسع التدريجي.

كانت البؤر الاستيطانية تبدأ بعدد محدود من الكرفانات أو المنازل، ثم تتوسع تدريجياً قبل أن تحصل لاحقاً على الاعتراف والدعم الحكومي.

هذا الأسلوب مكّن حكومة الاحتلال من خلق وقائع جديدة على الأرض، دون إثارة ضغوط سياسية كبيرة دفعة واحدة.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً تماماً. فهذه الحكومة، لم تعد تتحدث عن الاستيطان بوصفه مشروعاً هامشياً أو مؤقتاً، بل باعتباره ركيزة استراتيجية لمستقبل الدولة.

الجديد في الاتفاق ليس عدد الوحدات السكنية فقط، بل ما يرافقها من بنية تحتية وطرق وشبكات ربط وموازنات ضخمة.

فالتجارب السابقة أثبتت أن الطرق الاستيطانية ليست مجرد مشاريع نقل، بل أدوات لإعادة رسم الجغرافيا ودمج المستوطنات ببعضها البعض، بما يحولها إلى كتل متصلة وقابلة للتوسع المستمر.

وعندما تقترن هذه المشاريع بمصادقات متتالية على عشرات المستوطنات والبؤر التي أُنشئت خلال السنوات الأخيرة، فنحن أمام مشروع متكامل لإعادة هندسة شمال الضفة الغربية.

ولعل السابع من أكتوبر، كان ذريعة للاحتلال ليكون بيئة مناسبة لتسريع مسار الاستيطان؛ ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بالحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، شهدت الضفة الغربية موجة غير مسبوقة من مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وشرعنة البؤر الاستيطانية.

كما أن هذا التوسع لم يعد يجري بصمت أو خلف الأبواب المغلقة، بل أصبح يُعلن عنه باعتباره إنجازاً سياسياً.

لذا، فإن السؤال لم يعد يتعلق بعدد الوحدات الاستيطانية التي ستُبنى أو حجم الأموال التي ستُنفق، بل بطبيعة هذا الاتفاق.

فالاتفاق الأخير يشير إلى تحول في رؤية حكومة الاحتلال تجاه الضفة الغربية، من إدارة الاحتلال إلى إعادة تشكيل الأرض، ومن التوسع التدريجي إلى فرض وقائع واسعة النطاق يصعب التراجع عنها في المستقبل.

من هنا يمكن فهم وصف سموتريتش للاتفاق بأنه “ثورة استيطانية”. فالثورة الحقيقية لا تكمن في بناء آلاف الوحدات السكنية فحسب، بل في الانتقال إلى مرحلة تسعى إلى تثبيت السيطرة على مساحات أوسع من الضفة الغربية، عبر المستوطنات والطرق والبنية التحتية والاعتراف الرسمي بما كان يُعد سابقاً مجرد “بؤر” متناثرة.

لذلك فإن الفلسطيني اليوم يواجه مرحلة جديد من سيطرة الاحتلال على الأرض الفلسطينية، تمتد إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية للضفة الغربية بأكملها.

بحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، يعيش حوالي 500 ألف مستوطن في مستوطنات غير قانونية في جميع أنحاء الضفة الغربية ، بالإضافة إلى حوالي 250 ألفًا يعيشون في مستوطنات في القدس الشرقية المحتلة.

ولا يمكن قراءة الاتفاق الأخير بمعزل عن ما يُعرف بـ” خطة المليون مستوطن”، وهي رؤية تسعى إلى رفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى مليون مستوطن خلال السنوات المقبلة.

فالمسألة لم تعد تقتصر على إنشاء بؤر جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة، بل تتعلق بإحداث تغيير ديمغرافي واسع يجعل الوجود الاستيطاني واقع لا مفر منه.

وتقوم خطة “المليون مستوطن” على ثلاثة مسارات متوازية، وهي؛ التوسع العمراني عبر بناء عشرات آلاف الوحدات السكنية، وتطوير شبكة بنى تحتية وطرق تربط المستوطنات ببعضها وبالأراضي المحتلة عام 1948، إضافة إلى شرعنة البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى تجمعات دائمة.

وبهذا المعنى، لا يبدو الاتفاق الخاص ببناء 12 ألف وحدة استيطانية في شمال الضفة الغربية حدثاً منفصلاً، بل خطوة ضمن مشروع أشمل يهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية والجغرافية للضفة الغربية.

فحين يزداد عدد المستوطنين وتتسع الكتل الاستيطانية، تتراجع إمكانية الفصل الجغرافي بين الفلسطينيين والمستوطنين، وتحولت المستوطنات من جيوب متناثرة إلى شبكة مترابطة تمتد على مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية.

ومن هنا، فإن ما تصفه حكومة الاحتلال بـ” الثورة الاستيطانية” لا يقتصر على البناء والإسكان، بل يرتبط بمحاولة تكريس واقع سياسي وجغرافي جديد، يكون فيه مشروع المليون مستوطن أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة.

راية عروق – قناة العالم

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24